عن ملل وخيبات وأشياء أخرى
هل يُصاب ناقدٌ سينمائي بالملل إزاء مهنة يحبّها، وفن يعشقه، وأشياء أخرى قليلة يلتزمها في يوميات كثيرة بحياته؟ إنْ يحصل هذا، فماذا يعمل: هل يتوقّف عن الكتابة؟ هل يترك المهنة؟ هل يُغادر الصالات والشاشات نهائياً؟ هل ينزوي في منزله الصغير، مع أن الشاشة أمامه، والكتب حوله، وأشياء أخرى قليلة يحبّها تحاصره؟ أيكون الملل اكتئاباً بشكل آخر؟ ألن تكون المدينة سبباً، لا المهنة والفن والأشياء الأخرى، أم أنها الحياة في بلدٍ منذور لحروب متنوّعة، تصنع له خيبات وخراباً كل لحظة؟
أيكون الروتين اليومي مملاً، رغم ما فيه من حسنات قليلة يعتادها الناقد؟ شارع الحمرا خالٍ من الصالات، والمقاهي الأصلية غائبة، والأمكنة معتمة، والحانات تضجّ بنفاق وتشاوف وادّعاءات وأكاذيب. القلّة المُحبّبة تقلّ، وتبادل كلام عن أفلام وكتب وحكايات يفقد، كل دقيقة، شيئاً كثيراً من قيمته. يُمسك الناقد نفسه عن إلغاء الفيسبوك. لكنه، عند الاطّلاع عليه، يُصاب بألم، فأيّاً يكن يكتب عن كل شيء، ومن يظن أنه فهيمٌ بالسينما (وبغيرها) يُدلِ بدلوه، فيُسيء إلى الكتابة والسينما (وغيرها) والنقاش، وكل شيء. ومع أن هناك مشاهدين ومشاهدات يُتقنون تعليقاً سوياً، تُتقن الغالبية الشتيمة أكثر، إن تتوَجَّه الشتيمة إلى السينما أو السياسة أو الأحزاب أو الطوائف، أو الجماعة والأفراد.
أما المقاهي القليلة، التي يستكين فيها صباحاً إلى نوع من الراحة، فتعجز عن الحؤول دون الملل. أما الحانات، الأقلّ من القليل، التي يرتادها ليلاً، فمُصابة بأعطاب، أوّلها التوتر والعنف الكلامي والغضب المكتوم، الذي يُبرهن على قوته بكلام وتصرّف. أما الخطأ العظيم فيكمن في الذهاب إلى صالة خارج الشارع، فإذا في الصالة أناس لا يُدركون معنى المُشاهدة، وإن تكن الصالة فنّاً وتجربة، أو غيرها.
أسأل، وما من إجابة تُقنع أو تُريح، ولو قليلاً. لكني أعرف أن العزلة في مقهى أو حانة أو منزل، مع كتاب أو فيلم أو استرخاء، تبقى آخر متنفّس في بيئة منهارة، تحتاج فقط إلى من يدفنها بما ومن فيها، وإلى الأبد.
ارسال الخبر الى: