بعد دخول المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب على غزة حيز التنفيذ وانتهاء الزيارة الاحتفالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الكنيست الإسرائيلي وإلقائه خطاب دعم واضح لإسرائيل ولرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصيا افتتحت الدورة الشتوية للكنيست يوم الاثنين الماضي وبذلك عادت الساحة السياسية الإسرائيلية إلى الانشغال مجددا بالملفات السياسية الساخنة التي تم تأجيلها أو تقييدها خلال فترة الحرب في العامين الأخيرين وتظهر أجواء التوتر التي رافقت افتتاح الدورة مدى حدة الخلافات والانقسامات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي إلى جانب العقبات السياسية والتشريعية التي تترقب التحالف الحكومي ونتنياهو شخصيا خصوصا في ظل احتمال تبكير موعد الانتخابات يسعى التحالف الحكومي إلى تعديل قانون لجان التحقيق وفصل منصب المستشار القانوني للحكومة إلى منصبين nbsp توتر متصاعد بين الحكومة والسلطة القضائية لم تختف خلال العامين الماضيين ومنذ طرح الخطة الحكومية لتقييد صلاحيات الجهاز القضائي في يناير كانون الثاني 2023 حالة التوتر والصراع بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة القضائية بل إن التحالف الحكومي ما زال حتى الآن يرفض الاعتراف بشرعية رئيس المحكمة العليا القاضي يتسحاق عميت الذي تم تعيينه في مطلع العام الحالي ومع افتتاح الدورة الشتوية للكنيست عادت مظاهر التوتر العلني بين السلطتين التنفيذية والقضائية إلى الواجهة ففي مستهل خطابه أمام الهيئة العامة للكنيست شن نتنياهو هجوما على الجهاز القضائي متهما إياه بتجاوز صلاحياته والتدخل في شؤون السلطة المنتخبة وجاء خطاب نتنياهو عقب مداخلة رئيس الكنيست أمير أوحانا الذي افتتح الدورة البرلمانية بهجوم حاد على السلطة القضائية وقدم رئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت في خطابه بصفته قاضي المحكمة العليا بدلا من رئيس المحكمة العليا في إشارة رمزية تهدف إلى نزع الشرعية عن موقع عميت في نظر الائتلاف الحكومي وقال أوحانا إن الجهاز القضائي بما في ذلك مؤسسة المستشار القانوني للحكومة يقوض عمليا جوهر الإرادة الشعبية يعكس محور خطابي أوحانا ونتنياهو جوهر الصراع القائم بين الحكومة والسلطة القضائية وبالأخص مسألة تقييد تدخل المحكمة العليا في عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية فقد سعت حكومة نتنياهو منذ بداية عام 2023 إلى تمرير سلسلة من القوانين الهادفة إلى تقييد صلاحيات السلطة القضائية إلا أن هذه المحاولة توقفت إثر موجة احتجاجات شعبية واسعة رفضت الخطة تلتها أحداث السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 التي غيرت الأولويات السياسية في إسرائيل ومع ذلك يبدو أن التحالف الحكومي لم يتخل عن مشروعه الأصلي بل يسعى اليوم إلى إعادة إحياء مبادرته لاستكمال الخطة الحكومية لتقييد القضاء ومن المتوقع أن يشكل هذا الملف أحد المحاور المركزية في الحملة الانتخابية المقبلة باعتباره نقطة الانقسام الأبرز في المشهد السياسي الإسرائيلي الراهن في هذا السياق أعلن وزير العدل ياريف ليفين أحد أبرز المنتقدين للسلطة القضائية في إسرائيل عن نيته الدفع بعدد من مشاريع القوانين الهادفة إلى تقييد صلاحيات الجهاز القضائي ومن بين هذه المشاريع قانون يتيح إلغاء جلسات محاكم قائمة ومشروع قانون يمنح الحكومة الجديدة صلاحية إنهاء ولاية كبار المسؤولين في جهاز الدولة كما أعاد ليفين طرح فكرة فصل منصب المستشار القانوني للحكومة إلى منصبين منفصلين أحدهما يقدم الاستشارة القانونية والآخر يعمل مدعيا عاما للدولة وهي خطوة تعد من أكثر المقترحات إثارة للجدل في المشهد السياسي الإسرائيلي مشروع قانون آخر يسعى التحالف الحكومي إلى تمريره في الأسابيع القريبة هو تعديل قانون لجان التحقيق ويهدف هذا التعديل إلى منح الحكومة صلاحية تعيين لجنة تحقيق حكومية خاصة في ما يوصف بالإخفاق الكبير في أحداث 7 أكتوبر 2023 وهذه محاولة واضحة للالتفاف على المطلب الجماهيري الواسع والمدعوم من المعارضة ومن المؤسستين العسكرية والأمنية بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة تتولى فحص مسؤولية جميع السلطات والمؤسسات عن الإخفاقات التي رافقت أحداث 7 أكتوبر وتعتبر هذه المشاريع في حال تمريرها توجها واضحا نحو الحد من استقلالية السلطة القضائية وتقليص قدرتها على الرقابة على الحكومة كما أنها تخدم بطبيعة الحال أهداف نتنياهو في إغلاق ملفاته القضائية أو التخفيف من تبعاتها القانونية إلى أقصى حد ممكن إعفاءات الخدمة العسكرية يعد ملف إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية أحد أكثر الملفات حساسية التي سترافق المشهد السياسي الإسرائيلي في المرحلة المقبلة في ظل محاولة التحالف الحكومي تمرير قانون جديد يمنح هذا الإعفاء بشكل رسمي ويعتبر هذا الملف من الأسباب التي دفعت نتنياهو إلى إقالة رئيس لجنة الخارجية والأمن السابق يولي إدلشتاين بعد فشله في طرح صيغة قانونية ترضي الأحزاب الحريدية وفي أعقاب ذلك عين نتنياهو عضو الكنيست بوعاز بسموت في أغسطس آب الماضي رئيسا جديدا للجنة وهو شخصية سياسية خاضعة بالكامل لتوجيهات نتنياهو بهدف إعداد وتقديم مشروع قانون يتوافق مع مطالب وشروط الأحزاب الحريدية ويتوقع أن يفتح هذا المسار الباب أمام عودة الأحزاب الحريدية إلى الائتلاف الحكومي وعلى رأسها حزب شاس بزعامة أرييه درعي الذي يسعى للعودة إلى الحكومة وتولي وزارات مركزية تعد حيوية بالنسبة لـشاس ولا سيما في حال حل الكنيست فعلا وتبكير موعد الانتخابات إلا أن بوعاز بسموت لم يتمكن حتى الآن من بلورة نص لمشروع قانون يحظى بقبول الأحزاب الحريدية من جهة ومكونات التحالف الحكومي كافة من جهة أخرى ويتمكن في الوقت ذاته من المرور عبر الفحص القانوني للجنة الاستشارة القضائية ثم اجتياز رقابة المحكمة العليا فأي مشروع قانون في هذا الشأن حتى لو نال الأغلبية البرلمانية المطلوبة سيواجه في النهاية اختبار المحكمة العليا التي أكدت في قرارات سابقة أنها لن تصادق على أي قانون يبقي على حالة عدم المساواة القائمة حاليا نتيجة إعفاء الشباب الحريدي من الخدمة العسكرية وبحسب محللين إسرائيليين يعد تمرير قانون يرضي الأحزاب الحريدية وفي الوقت ذاته يقبل من المحكمة العليا أمرا بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلا وعليه فإن عودة الأحزاب الحريدية إلى الائتلاف الحكومي في ظل هذه الظروف تبدو احتمالا ضعيفا للغاية وحتى إن حدثت فستكون مؤقتة ومحدودة زمنيا إلى حين قيام المحكمة العليا بإلغاء أي قانون من هذا النوع في ظل أجواء الخلافات والانقسامات السياسية واحتمال تبكير موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة يسعى نتنياهو إلى الحد من التأثير السلبي لملف إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية على المشهد الانتخابي المقبل إقرار قانون يمنح إعفاء رسميا لطلاب المعاهد الدينية قد يلحق بنتنياهو خسائر انتخابية داخل القاعدة اليمينية التي يطالب جزء منها بإلغاء الإعفاء وفرض المساواة في الخدمة في المقابل فإن عدم تمرير القانون قد يؤدي إلى توسيع الشرخ بين نتنياهو والأحزاب الحريدية التي تعتبر شريكا استراتيجيا له منذ عودته إلى رئاسة الحكومة عام 2009 عقبات المرحلة الثانية من وقف الحرب لم يشكل اتفاق وقف الحرب على غزة تهديدا جديا للتحالف الحكومي في إسرائيل على عكس ما كان يعتقد خلال العامين الماضيين إذ أصبح ملف تبادل الأسرى والمخطوفين مطلبا يحظى بتوافق واسع داخل المجتمع الإسرائيلي بمختلف مكوناته السياسية المركزية غير أن هذا الإجماع لا يضمن استمرار الهدوء السياسي مع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق التي تتناول قضايا أكثر حساسية وخلافا على المستويين السياسي والأيديولوجي وتشمل هذه القضايا مكانة حركة حماس في غزة بعد الحرب ودور السلطة الفلسطينية وإمكانية استئناف المسار السياسي بين إسرائيل والسلطة ووجود قوات دولية إضافة إلى ملفات إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية يعد تمرير قانون يرضي الأحزاب الحريدية ويقبل من المحكمة العليا أمرا بالغ الصعوبة nbsp تحمل هذه الملفات في طياتها احتمالات تصعيد سياسي حاد داخل الائتلاف الحكومي إذ من المتوقع أن تسعى أحزاب اليمين المتطرف وعلى رأسها حزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش وحزب العظمة اليهودية بزعامة إيتمار بن غفير إلى فرض أجنداتها العقائدية وشروطها الخاصة ضمن أي اتفاق مرتقب وقد يؤدي هذا التوجه إلى تعقيد المفاوضات أو حتى تفجيرها ما يفتح الباب أمام خلافات داخلية جديدة داخل التحالف الحكومي قد تصل إلى تفككه بالكامل إذا توصل سموتريتش وبن غفير إلى قناعة بأن ذلك يخدم مصالحهما السياسية والانتخابية نتنياهو والانتخابات مبكرة يعمل نتنياهو مدعوما بأحزاب اليمين وشركائه في الائتلاف على تسريع سن سلسلة من القوانين التي تهدف إلى تقييد صلاحيات السلطة القضائية ومنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر إضافة إلى إبعاد أي مسؤولية شخصية محتملة عن نتنياهو في تلك الأحداث كما يسعى التحالف إلى تعديل القوانين والأنظمة الناظمة لتعيين كبار الموظفين وأعضاء مجالس الإدارات في الشركات الحكومية وتوزيع ميزانيات سخية لصالح الأحزاب الحريدية حتى وهي خارج الائتلاف وينظر إلى هذه التحركات بحسب عدد من المحللين الإسرائيليين على أنها نوع من الاستعداد المسبق لأي مفاجأة سياسية قد تؤدي إلى تبكير موعد الانتخابات وعليه يمكن القول إن التحالف الحكومي بدأ فعلا بالاستعداد لسيناريو انتخابات مبكرة حتى لو حاول نتنياهو في جلسة افتتاح الدورة الشتوية للكنيست التأكيد على أنه يسعى إلى بقاء الحكومة حتى الموعد القانوني للانتخابات المقررة في نوفمبر تشرين الثاني 2026