ملامح الرواية السودانية المعاصرة الحرب في مرايا السرد

139 مشاهدة
تبدو الرواية السودانية اليوم أكثر انشغالا بقضايا الحرب والنزوح والغربة وما تفرزه من أسئلة اجتماعية وسياسية وإنسانية معقدة هذا الانشغال الذي يتجلى في أعمال روائية متنوعة لا يمكن فصله عن مسار طويل ظل فيه هذا الجنس الأدبي يلتقط ما يدور في الساحة السودانية من قضايا وهموم وتحولات منذ أربعينيات القرن الماضي فالرواية السودانية منذ نشأتها وإلى اليوم ما هي إلا مرآة لواقع مضطرب تتوالى عليه الأزمات آخرها حرب الخامس عشر من إبريل نيسان 2023 تهتم نماذج عديدة من الرواية السودانية المعاصرة بتفكيك الواقع المأزوم والنظر إليه من زوايا مختلفة سرديا وبنائيا ويظهر ذلك بشكل جلي في عدد من الكتابات الحديثة ففي رواية الأشوس الذي حلقت أحلامه مثل طائرة مسيرة منشورات عندليب 2026 للكاتب عبد العزيز بركة ساكن تتحول الحرب إلى فضاء نصي متهكم يفضح وهم الصعود الاجتماعي عبر آلة العنف والارتزاق ويطرح تساؤلات مهمة حول الدوافع الكامنة وراء الحرب وطبيعة الصراع الذي ينهش جسد السودان ويعود السرد في رقصة الأبنوس جاردينيا للنشر والتوزيع 2025 للروائي محمد رورو إلى صراع القيم بين القديم والجديد حيث تستعاد تقاليد وقيم مجتمع القرية بوصفها فضاء رمزيا لمقاومة التشظي واستعادة المعنى المفقود nbsp أما رواية فم مملوء بالملح دار الساقي لندن 2024 للكاتبة ريم جعفر المكتوبة بالإنكليزية فتركز على قضايا المرأة والعنصرية والعادات والتقاليد الجامدة التي تقاوم التغيير وهي تعبر عن جيل يواجه الأفكار الرجعية بلغات وأساليب عابرة للحدود nbsp تضيء الأعمال السردية اليوم الدوافع الكامنة وراء الحرب هذه النماذج على اختلافها لغة وسردا وموضوعا لا تمثل قطيعة مع تاريخ الرواية السودانية بقدر ما تجسد امتدادا لمحطاتها الأساسية انطلاقا من سؤال الاستعمار والتحرر الوطني مرورا بصراع الهوية والذات والآخر وصولا إلى كتابات الهامش والمسكوت عنه الهامش والمركز ابتداء من أواخر الثمانينيات اتسمت الرواية السودانية بكثافة الإنتاج وتنوع الأصوات وبرز فيها الاشتغال على قضايا الهامش والمكبوت والمستبعد إلى جانب صعود الكتابة النسوية والسيرة الذاتية بوصفها تقنية سردية مركزية وقد ارتبط هذا التحول بتغيرات اجتماعية عميقة منها توسع التعليم والانفتاح على العالم وتفاقم الأزمات السياسية والحروب والنزوح في هذه المرحلة لم يعد صراع الهوية هو المحرك الأساسي للسرد بل حل محله الاشتباك مع واقع العنف والتهميش وذاكرة المهزومين وتمثل أعمال كتاب مثل عبد العزيز بركة ساكن وأبكر آدم إسماعيل وهشام آدم وسارة الجاك تعبيرا واضحا عن هذه الحقبة حيث أصبحت الرواية فضاء لتمثيل الواقع السوداني في أقسى تجلياته عبر سرديات تنطلق من الهامش وتعيد مساءلة البنية الاجتماعية والسياسية بكاملها في مرحلة أسبق مع استقلال البلاد عام 1956 تحولت الاهتمامات السردية في ظل ازدياد الوعي السياسي وظهور الصراعات الحزبية والعقائدية وطرح سؤال الهوية هل السودان عربي أم أفريقي شهدت هذه الحقبة محاولة واعية لفصل الأدب السوداني عن التأثير المصري والدخول في صراع الهوية بوصفه محورا مركزيا في السرد في هذه الحقبة ظهرت أعمال غلب عليها النضج الفني والثراء الموضوعي وانتقل السرد من الرومانسية إلى الواقعية مع اشتباك مباشر مع الواقع السياسي والاجتماعي مثلت روايات مثل موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح وحدث في القرية لإبراهيم إسحق نماذج بارزة لهذه الحقبة سؤال التحرر الوطني في العودة إلى التأسيس ارتبطت نشأة الرواية السودانية ارتباطا وثيقا بسياق الاستعمار الإنكليزي المصري 1899 1956 إذ شكلت هذه المرحلة الوعاء الذي اختمرت فيه التجارب الأولى وقد تأثرت الرواية في نشأتها المبكرة بازدهار الفن الروائي في مصر سواء عبر الأساتذة المصريين العاملين بكلية غوردون التذكارية جامعة الخرطوم حاليا أو عبر العلاقات الثقافية والاجتماعية بين البلدين وبرزت أعمال مبكرة مثل رواية الفراغ العريض للكاتبة ملكة الدار محمد التي كتبتها في مطلع الخمسينيات لكنها نشرت بعد أكثر من عقدين واتخذت الرواية مسارا واقعيا ركز على قضايا الصراع الاجتماعي ووضعية المرأة في ظل الاستعمار كما برزت في نفس الفترة رواية تاجوج 1948 لعثمان هاشم التي عبرت عن تصاعد الكفاح الوطني والتحرر من المستعمر اتسمت هذه المرحلة بارتباط السرد بقضايا المرأة والنوع الاجتماعي من جهة وبقضايا الاستقلال والبطولة الوطنية من جهة أخرى مع اعتماد واضح على نمط الراوي العليم والاتجاه الواقعي

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح