مكي حسين الذاكرة السياسية للجسد
عثرت الشرطة الألمانية، نهايةَ الشهر الماضي، على جثّة النحّات العراقي مكي حسين، بعد مضي أربعة أيام على وفاته في مدينة غوتنغن الألمانية. وهذا المشهد لموت فنّان عراقي في المنفى، على قسوته ومأساويته، يشبه إلى حدّ بعيد مساره الفني، الذي بدأ عام 1968 مع تخرّجه من معهد الفنون الجميلة. ولاحقاً، ارتبطت تجربته بالمثقفين العراقيين الذين غادروا العراق في زمن نظام البعث، غير أنّ العراق، بأزماته وحروبه وتشظّي مصائر ناسه، ظلّ موضوع أعمالهم.
وقبل أن يصبح مكي نموذجاً للفنان في المنفى، شارك في معارض مبكرة داخل العراق. ويمكن أن تكون أولى مشاركاته في معرض جماعي أُقيم عام 1972، جمعه مع فنانين حاولوا إيجاد تعريف للفن العراقي من داخل المؤسسات الرسمية، إذ تظهر مشاركته إلى جانب أسماء مثل ضياء العزاوي ورافع الناصري وصالح الجميعي.
جزء من سيرة مكي في العمل العام يُقرأ بمحاذاة فنّه؛ فقد غادر العراق عام 1979، والتحق، في فترة من حياته، بحركة الأنصار، وهي الجناح المسلّح للحزب الشيوعي العراقي. حتى إن الجسد، في مشروعه النحتي، يظهر كمادة اشتغال على الذاكرة السياسية، بما تتضمّنه ذاكرة الإنسان العراقي من عنف يومي، وحروب، واحتلال، وتفخيخ للأجساد. ويظهر ذلك في حضور سمة الجسد المُحاصَر في منحوتاته، بدءاً من استخدام الإطار كجزء من المنحوتة، حيث يوظّف مكي الإطارات عناصرَ تركيبية داخل العمل، تحيط بتكوينات الجسد، أو تترامى وتثقل عليه. كما يظهر الجسد بهذه الصورة معلّقاً في الفراغ، أو مؤطَّراً، ويبدو التكوين الجسدي في بعض منحوتات مكي جسداً مستقراً في الأحمال. وتُقرأ هذه الأعمال بوصفها مفردات للحصار والقيود والخوف، وهي خصائص بنائية داخل الشكل نفسه.
تخضع منحوتات مكي بتكويناتها الجسدية إلى قوى أكبر منها
وإضافةً إلى هذا المعجم من المفردات، الذي قد تكون تجربة مكي الشخصية أحد مصادره، بخاصة مع التخفّي لستّ سنوات، والتنقّل بين بلدان مختلفة - من بينها سورية - لمدة تسع سنوات، ثم الاستقرار أخيراً في المنفى حيث موته؛ تحضر في مشروعه موضوعات تتصل بالتجربة الإنسانية
ارسال الخبر الى: