في مقهى الموسيقى بالبلدة القديمة لمدينة رام الله نشعر كأن المكان يحتضننا منذ أول لحظة ببساطته وتفاصيله ورغم أن اسمه وموقعه كافيان ليكونا عاملي جذب لكنه وبمجرد أن تطأ أقدامنا المكان تتكاثر العوامل والتفاصيل الفاتنة ما يثير في نفوسنا شعورا بالحنين إلى ماضي المدينة لنفكر في ما قد يكون عليه مستقبلها مع استمرار انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وتردي الأحوال الاقتصادية والسياسية ورغم العوامل الطاردة وصعوبة التخطيط للمستقبل أصر صانع الأدوات الموسيقية شحادة شلالدة على تنفيذ مخططه المؤجل منذ عام 2022 بإنشاء مقهى في البلدة القديمة ليجذب الزوار إليها ويوفر مصادر دخل تسانده في ظل شح الموارد المتوفرة للعاملين في القطاع الثقافي بدأت الفكرة عندما وجد شلالدة دكانا مهجورا في بناية في قلب البلدة القديمة المعروفة محليا باسم رام الله التحتا فاستثمره مع عائلته ورمم المكان للمحافظة على روحه الأصلية ورغم الخراب الذي لحق بالمكان على مدار سنوات من الهجران وسنوات أخرى من استخدامه مخزنا للخضار إلا أن العائلة استطاعت تجديد جزء كبير من الحجارة والمحافظة عليها وأولت العائلة اهتماما كبيرا بحماية المكان وهويته فاستعانت في تنفيذ الأعمال بمهارات والدهم المهندس ومستشارين من مؤسسة رواق الفلسطينية التي تعمل في ترميم وحماية المعمار التراثي في الضفة الغربية منذ عام 1991 حاز شلالدة جائزة مؤسسة التعاون للتميز في القطاع الثقافي عام 2022 واستثمر جزءا من أموال الجائزة لإتمام أعمال الترميم في المقهى إلا أن التحديات الاقتصادية دفعته إلى البحث عن شركاء للاستمرار في العمل فانضمت إليه جمعية الكمنجاتي المجاورة للمقهى وبدعم المؤسسة الخيرية السويسرية دروسوس استطاع الفريق تأثيث المقهى وافتتاحه مع أواخر عام 2024 يشكل المقهى حجر أساس لمشروع قد يتحول إلى رافد اقتصادي مساند لجمعية الكمنجاتي التي تقدم خدمات غير ربحية في قطاع الموسيقى فيأمل شلالدة أن تكون هذه التجربة خطوة باتجاه تخلص المؤسسات الفلسطينية من التمويل المشروط والبحث عن مصادر تمويل ذاتية محلية تترك للمؤسسات هامشا كبيرا من حرية الإنتاج وتوفير فرص عمل للعاملين والعاملات في القطاع الموسيقي يرى شلالدة أن المقهى يشكل نقطة التقاء للموسيقيين المحترفين وطلبة الكمنجاتي والجمهور فمع ندرة الفعاليات الموسيقية في ظل حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة وجد الموسيقيون في المقهى فرصة لتبادل الخبرات والأفكار والتفاعل مع الجمهور عفويا وارتجاليا يقول شلالدة في حديثه إلى العربي الجديد إن موسيقيين من القدس مثلا وجدوا في المقهى فرصة للعزف والترويح عن أنفسهم وعن الجمهور نظرا إلى محدودية الفرص وكثرة التحديات التي تواجههم في القدس المحتلة بسبب تضييقات الاحتلال فوصف الموسيقيون المقهى بالديوان الذي يجمعهم من دون ترتيبات مسبقة وبلا تكلف فيتجمعون ويتدربون معا ويغنون برفقة الجمهور مشكلين إلهاما للطلبة الأصغر سنا يشير شلالدة إلى أن المقهى يوفر أدوات موسيقية دائما ومن خلالها يستطيع الجمهور التعرف إلى الأدوات وتجربتها ما يجعل الموسيقى أقرب إلى المجتمع المحلي ويسهم بتغيير النظرة الاجتماعية إلى الموسيقى والموسيقيين بوصفهما شأنا ثانويا ترفيهيا لا دور له في زمن الحروب والأزمات على عكس هذه النظرة السائدة يؤكد شلالدة أن الموسيقى للعديد من العاملين في القطاع ليست مجرد هواية بل هي مهنة ومصدر دخل مشيرا إلى أن الموسيقى الفلسطينية وليدة الثورات واللحظات المفصلية في التاريخ الفلسطيني وليست معزولة عن واقع المجتمع وبناء على ذلك يأمل أن يشكل المقهى نقطة التلاقي ما بين كل فئات المجتمع وأن يكون متنفسهم للتعبير عن أنفسهم في ظل الظروف القاهرة التي يعيشونها يخطط شلالدة لتطوير المقهى على عدة مستويات فإضافة إلى الأجواء الموسيقية يوفر المقهى زاوية للكتب والروايات في خطوة إضافية للتشجيع على المطالعة واقتناء الكتب من دور نشر محلية ويعتمد المقهى على المنتجات الغذائية المحلية بالكامل للتأسيس لفكرة الاكتفاء الذاتي ودعم المشاريع المحلية كل واحد منها الآخر ويطمح أن يتحول المقهى إلى وجهة سياحية داخل البلدة القديمة من خلال تشجيع الجمهور على ممارسة المشي كونه عادة صحية والتجول في المنطقة للتعرف إلى كنوزها الأثرية والاستمتاع بأجوائها الاجتماعية