مقصلة الغلاء تلتهم مداخيل المصريين هدنة بلا فائدة للأسواق
84 مشاهدة
لم يعد حديث المصريين في المقاهي أو في وسائل النقل العام يدور حول الأحداث السياسية الكبرى أو مباريات كرة القدم بل تحول الرأي العام بكامله إلى ما يشبه غرفة عمليات لمتابعة الأرقام المتصاعدة لأسعار السلع والخدمات التي لا تتوقف عن القفز رغم دخول الهدنة بين أميركا وإسرائيل ضد إيران يومها السادس ومع حلول شهر إبريل نيسان 2026 وجدت الأسر المصرية نفسها أمام حزمة جديدة من القرارات تعدها الحكومة لتعمق جراح ميزانياتها المنهكة أصلا منها التلويح الرسمي برفع أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت يأتي ذلك في وقت كان الشارع يمني النفس فيه بانفراجة اقتصادية عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات بين الأطراف المتنازعة حيز التنفيذ يوم الأربعاء الماضي أملا في هدوء جبهات القتال التي أشعلت أسعار الطاقة عالميا إلا أن واقع السوق المصري جاء مخيبا لتوقعات هدنة الأسعار وبدلا من جني ثمار التهدئة الإقليمية وجد المواطنون أنفسهم أمام ما يشبه الإعادة القسرية لصياغة نمط حياة ملايين الأسر التي باتت تصارع للبقاء فوق خط الفقر ويرى مراقبون أن الحكومة سارعت إلى تمرير هذه الزيادات لتدارك الفجوات التمويلية الضخمة التي خلفتها شهور الصراع الإقليمي وتأثيرها على حركة الملاحة في البحر الأحمر وتكاليف التأمين والشحن هذه الضغوط المتلاحقة لم تعد مجرد أرقام في موازنة الدولة بل تحولت إلى حصار معيشي خانق يطارد المصريين في أدق تفاصيل حياتهم اليومية بدءا من وسيلة المواصلات وصولا إلى فاتورة الإنترنت التي تربطهم بالعالم وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي أظهرت بيانات الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية ارتفاع التضخم الشهري على مستوى مدن مصر خلال مارس آذار بنسبة 3 3 مقارنة بشهر فبراير شباط 2026 ليسجل أعلى مستوى له منذ مايو أيار 2025 بعد أن أدى رفع الحكومة أسعار البنزين والسولار بقيمة ثلاثة جنيهات للتر الواحد خلال مارس إلى ارتفاع أسعار مختلف السلع خاصة السولار الذي يدخل في تحديد التكلفة النهائية للسلع تبدأ القصة من تداعيات قرار لجنة تسعير المواد البترولية الأخير برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوح بين 15 و22 وهو ما لم يكن مجرد زيادة عابرة عند محطات الوقود بل كان بمثابة زلزال ضرب عصب الحياة اليومية وسبب موجة تضخمية امتدت إلى غالبية السلع والخدمات في مختلف القطاعات مع بداية إبريل الجاري ولم تكد أصداء زيادة الوقود تهدأ حتى جاءت صدمة الكهرباء لتزيد المشهد قتامة فمع تطبيق الزيادات الجديدة في شرائح الاستهلاك المنزلي والتجاري دخلت البيوت المصرية في حالة من الطوارئ غير المعلنة لم تعد الشكاوى تقتصر على محدودي الدخل بل امتدت لتشمل الطبقة المتوسطة التي وجدت نفسها تنتقل قسرا إلى شرائح استهلاك أعلى ليس بسبب زيادة الاستهلاك بل نتيجة ارتفاع الأسعار وشهد قطاع الكهرباء زيادات ملحوظة إذ رفعت الحكومة أسعار الكهرباء للأنشطة التجارية بنسب بلغت 91 في بعض القطاعات فيما ارتفعت تذاكر السكك الحديدية ومترو الأنفاق بنسب وصلت إلى 25 في محاولة لمواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة في المقابل يترقب المصريون بقلق الإعلان المرتقب عن زيادة أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت إذ تشير تصريحات مسؤولين في وزارة الاتصالات إلى أن الشركات لم تعد قادرة على الاستمرار بالأسعار الحالية في ظل ارتفاع تكاليف تشغيل المحطات التي تعتمد على الوقود إضافة إلى زيادة تكلفة استيراد المعدات التكنولوجية في هذا السياق يرى كريم حاتم وهو شاب يعمل في مجال البرمجة عن بعد أن الإنترنت في مصر لم يعد رفاهية يمكن الاستغناء عنها بل أصبح أداة إنتاج تماما مثل الفأس للفلاح ويقول كريم إن زيادة أسعار الباقات ستؤثر مباشرة على دخل مئات الآلاف من الشباب العاملين في الاقتصاد الرقمي معتبرا أن الحكومة عبر رفع أسعار الاتصالات تطلق الرصاص على أقدام جيل يحاول الهروب من البطالة من خلال العمل الحر لكن هذا المنطق الرقمي يصطدم بواقع مرير يعيشه المواطن البسيط فالحاج سيد وهو سائق ميكروباص في الخمسين من عمره يقف بجوار سيارته في أحد المواقف بالإسكندرية ملوحا بيديه في إشارة إلى اليأس قائلا إن زيادة السولار الأخيرة لم تترك له هامشا للربح أو حتى لإصلاح أعطال سيارته ويضيف سيد بلهجة غاضبة أن رفع الأجرة على الركاب لا يعوضه عن غلاء قطع الغيار والزيت والإطارات فضلا عن الصدامات اليومية مع الركاب الذين هم في الأصل موظفون وعمال مطحونون ويرى أن الحكومة تضع المواطن في مواجهة المواطن بينما تكتفي بدور المراقب الذي يجمع الضرائب ويرفع الأسعار متسائلا بمرارة عن الحد الذي يمكن أن يصل إليه هذا الارتفاع الجنوني قبل أن تنفد قدرة الناس على الاحتمال وفي أحد الأحياء السكنية غربي الإسكندرية تعبر إلهام زيان وهي معلمة متقاعدة عن صدمتها من فاتورة الكهرباء الأخيرة التي التهمت جزءا كبيرا من معاشها وتقول إنها بدأت تتبع سياسة الظلام الاختياري في منزلها حيث تغلق الأجهزة غير الضرورية وتكتفي بالحد الأدنى من الإضاءة ومع ذلك تجد الفاتورة في ارتفاع مستمر وتتساءل كيف يمكن لأسرة لديها طلاب في المدارس والجامعات أن تعيش بلا كهرباء أو إنترنت بينما تلتهم تكلفة هذه الخدمات نصف الدخل الشهري وتشير إلى أن الجانب الأكثر خطورة في زيادة الكهرباء لا يقتصر على المواطنين فقط إذ إن رفع أسعار الكهرباء للمحال والمصانع سينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات في المقابل يؤكد عدد من الخبراء أن رد فعل المستهلكين على ارتفاع الأسعار سيتمثل في تعديل عادات الإنفاق والتركيز على الاحتياجات الأساسية واللجوء إلى بدائل مختلفة وقد يصل الأمر إلى المقاطعة بسبب تراجع القدرة الشرائية ويحلل الخبير الاقتصادي علي الإدريسي المشهد قائلا إن التضخم في مصر دخل مرحلة التضخم الهيكلي حيث تؤدي كل زيادة في مدخلات الإنتاج مثل الطاقة والكهرباء والنقل إلى موجة تضخمية مركبة تؤثر على شبكات الأمان الاجتماعي والفئات الأكثر هشاشة ويشير الإدريسي في حديثه لـالعربي الجديد إلى أن التوقيت الحالي شديد الحساسية إذ يعاني المواطن تآكل القوة الشرائية للجنيه وأي ضغوط إضافية قد تقود إلى ركود تضخمي حيث ترتفع الأسعار في الوقت الذي يتراجع فيه الطلب بسبب نقص السيولة ويؤكد أن التهدئة بين إيران والولايات المتحدة من المفترض أن تخفف تدريجيا من حدة الأزمة إلا أنه لا يمكن تحديد موعد دقيق لتراجع الأسعار في ظل استمرار حالة عدم اليقين وزيادة الطلب على النقد الأجنبي ويضيف أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط والغاز إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد عالميا أدى إلى زيادة حادة في فاتورة استيراد الطاقة في مصر ما انعكس سلبا على الاقتصاد