معضلة الغاز الإسرائيلي مع الاقتصاد والجغرافيا والأمن

86 مشاهدة
استمرت إسرائيل في التنقيب عن البترول والغاز في البر والبحر لمدة 50 عاما دون جدوى رغم وجودها في محيط عربي يعوم على بحار من النفط والغاز ورغم أنها متقدمة تكنولوجيا تعاني منذ نشأتها في سنة 1948 من الاعتماد على الفحم ومنتجات البترول المستورد وفي سنة 1999 أعلنت إسرائيل عن اكتشاف متواضع للغاز في حقلي نوح وماري بي قبالة سواحل أسدود وبعد 10 سنوات أخرى أعلنت عن اكتشاف أكبر آبار الغاز الطبيعي في مياه البحر المتوسط في يناير كانون الثاني 2009 أعلنت عن اكتشاف حقل تمار الذي يحوي نحو 300 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي وهو يكفي لتلبية احتياجات إسرائيل المحلية من الغاز لمدة خمسة عشر عاما وهو أقرب للمنطقة الاقتصادية للبنان في المياه الدولية منه لإسرائيل وفي ديسمبر كانون الأول 2010 أعلنت عن اكتشاف أكبر من تمار هو حقل ليفياثان ويحوي نحو 600 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي باستثمارات تجاوزت أربعة مليارات دولار للتشغيل اكتشاف ليفياثان حول إسرائيل من مستورد للطاقة إلى لاعب رئيسي محتمل في المنطقة بغض الطرف عن وقوعه في مياه مصر الاقتصادية وفق بعض الدراسات وفي سنة 2013 أعلنت إسرائيل عن اكتشاف حقل كاريش ويحوي 100 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي وبغض النظر عن وجوده هو الآخر في المطقة الاقتصادية اللبنانية وبفضل هذه الحقول أصبحت إسرائيل مصدرا للغاز الطبيعي اعتبارا من مطلع عام 2017 بعد أن كانت تستورد 40 من احتياجاتها من الغاز من مصر منذ سنة 2005 باتفاقية أثارت غضب المصريين هذه الثروة الغازية ستدر على الكيان أرباحا لم تتوقعها حكومته وفق موقع تايمز أوف إسرائيل في يناير الماضي توقعت سلطة الضرائب الإسرائيلية تحصيل ما بين 57 و74 مليار دولار من ضرائب أرباح الغاز والنفط خلال العقد المقبل في هذا التوقيت كانت المعضلة الكبيرة أمام الحكومة الإسرائيلية هي كيف نصدر الغاز لنستفيد من هذه الثروة غير المتوقعة أو المنهوبة طريقتان لتصدير الغاز من إسرائيل أوروبا هي الوجهة المثالية والسوق الكبير لصادرات الغاز الطبيعي من إسرائيل وظل تصدير الغاز من إسرائيل إلى أوروبا عبر خط أنابيب إيست ميد حلما يراود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ 2010 في سبتمبر أيلول 2012 كتب خبير الطاقة البريطاني سايمون هندرسون وهو كبير الباحثين في برنامج جيمس بيكر ومدير برنامج برنشتاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن وزميل مركز دايان في جامعة تل أبيب مقالا بعنوان تحديات الغاز الطبيعي في إسرائيل قال فيه إن هناك طريقتين لتصدير الغاز الطبيعي لأوروبا إما عبر خط أنابيب وهو الأرخص أو عبر الناقلات بعد إسالة الغاز بالتبريد وتحويله إلى سائل وهي الأكثر كلفة وتحتاج استثمارات بمليارات الدولارات الوجهة الأكثر سهولة لخط الأنابيب تعترضها إشكاليتان فهي إما تكون عن طريق تركيا أو اليونان وإيطاليا مرورا بقبرص الوجهة التركية أقل تكلفة في حدود 1 5 مليار دولار وقبيل طوفان الأقصى أصدر نتنياهو تعليماته لفريق من حكومته لدراسة مد خط أنابيب تحت البحر من حقل ليفياثان إلى تركيا ومنه إلى أوروبا وكان من أهداف نتنياهو أن تكون إسرائيل مركزا لنقل غاز الإمارات وبعض دول الخليج لأوروباولكن بعد الطوفان سرعان ما دخلت الدولتان في عداء ديبلوماسي وطلبت تركيا وقف المفاوضات الخاصة بالتعاون في مجال الطاقة وتبخر حلم نتنياهو حلم التصدير لأوروبا عن طريق الأنابيب بعد مفاوضات تسع سنوات وقعت قبرص واليونان وإسرائيل اتفاقا لإنشاء خط أنابيب شرق المتوسط إيست ميد لمد أوروبا بالغاز وصف نتنياهو الاتفاق بأنه تاريخي لإسرائيل التي باتت واعدة جدا في الطاقة وصنف الاتحاد الأوروبي خط الأنابيب مشروعا ذا مصلحة مشتركة مع إسرائيل وبديلا لاعتماد الاتحاد الأوروبي على الطاقة الروسية وباركت الولايات المتحدة خط الأنابيب وكان من المتوقع أن يبدأ تشغيل خط الأنابيب بحلول عام 2025 بتكلفة قال الرئيس الشركة المشرفة على تطوير المشروع إيليو روجيري إنها ستبلغ 5 2 مليار يورو حتى اليونان و6 2 مليارات يورو لإيطاليا وهي أعلى بكثير من الخط المار بدولة تركيا ولكنها تكلفة الجغرافيا غير المواتية المفاجأة غير المتوقعة في بداية يناير 2022 أن الولايات المتحدة سحبت دعمها لخط الأنابيب وبررت إدارة الرئيس السابق جو بايدن موقفها الجديد بمخاوف اقتصادية وبيئية وشكك كبير مستشاري وزارة الخارجية الأميركية لأمن الطاقة العالمي عاموس هوكشتاين في الجدوى الاقتصادية للمشروع حتى أنه وصف المشروع بالحلم دلالة على استحالته واعتبر إنشاء الخط في قاع البحر وصيانته مكلفا وغير مجد اقتصاديا وأن تراجع أسعار الغاز سيقلل ربحيته وأن حجم الغاز المتوفر لا يكفي لتشغيل الأنبوب لمدة طويلة في عالم المصالح ربما اتخذت إدارة بايدن هذا القرار لصالح تصدير الغاز الأميركي لأوروبا وقال خبير الطاقة البريطاني سايمون هندرسون إن انسحاب الولايات المتحدة قضى فعليا على حلم إسرائيل الوهمي في أن تصبح مزودا مهما للغاز إلى أوروبا بدائل خط الأنابيب الأوروبي بناء محطة إسالة للغاز على شواطئ إسرائيل هي البديل المتاح بعد توقف خط الأنابيب رغم أنها تتكلف مليارات الدولارات وقدمت بالفعل مقترحات لإنشاء مثل هذه المحطة على ساحل البحر الأبيض المتوسط وعلى ساحل البحر الأحمر الصغير المجاور لمنتجع إيلات السياحي ولكن الاعتبارات الأمنية والخوف من قصف المحطة وكذلك جماعات حماية البيئة والسكان رفضوا المقترح في سنة 2012 قال هندرسون إنه في عالم مثالي يمكن لإسرائيل استخدام محطتي الغاز الطبيعي المسال المصرية لكن هذا الخيار بدا من وجهة نظره مستبعدا سياسيا ومحفوفا بالمخاطر الدبلوماسية بسبب العلاقات المتوترة بين البلدين بعد ثورة يناير في هذا التوقيت لم يدر بخلد هندرسون أن إسرائيل سوف تحل أزمتها وتصدر الغاز لمصر بعد سنوات قليلة وسوف تستخدم محطة إسالة الغاز المصرية في تسييل الغاز الإسرائيلي ولولا ذلك لمات حلم تصدير الغاز من إسرائيل اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أن إنشاء محطة لإسالة الغاز على شواطئ إسرائيل محفوف بالمخاطر فجميع منشآت النفط والغاز صعبة الحماية والتأمين وغالبا ما تكون عرضة لقذيفة صاروخية واحدة دقيقة التصويب كافية لتدمير المنشأة لذلك طلبت البحرية الإسرائيلية في ذاك التوقيت تمويلا إضافيا كبيرا لتوسيع قدراتها العسكرية لتأمين مشروعات منشآت الغاز الطبيعي البحرية الكبيرة ومن الأفكار التصديرية الأخرى التي درستها الحكومة الإسرائيلية في هذا التوقيت إرساء منشأة عائمة للغاز الطبيعي المسال فوق حقل ليفياثان لكن تكلفتها والتي تقدر بعدة مليارات من الدولارات وحجمها الضخم ما يعادل أربع حاملات طائرات سيجعلانها كابوسا أمنيا وفق هندرسون في بداية طوفان الأقصى تجلت المعضلة الأمنية على قطاع الغاز في إسرائيل وأغلقت الحكومة حقل غاز تمار بسبب قربه من قطاع غزة وأدى هذا الإغلاق إلى انخفاض صادرات الغاز الطبيعي بنسبة 70 أي ما يعادل خسائر بقيمة 200 مليون دولار شهريا تقريبا وبعد الهجوم على إيران في يونيو حزيران الماضي وقصفها حقل بارس للغاز أوقفت إسرائيل العمل في حقلي ليفياثان وكاريش وتوقف ضخ الغاز لمصر والأردن لمدة أسبوعين وقدرت الشركات المشغلة للحقلين الخسائر في الإيرادات بنحو 12 مليون دولار وأعلنوا عن دراسة إمكانية المطالبة بالحصول على تعويض من الدولة بسبب توقف الإنتاج ما يؤكد أن الأمن سيظل نقطة حرجة وثغرة مهددة لنمو قطاع الغاز في إسرائيل قبلة حياة عربية لغاز إسرائيل لم يكن أمام إسرائيل إلا أن تصدر الغاز لدول الجوار الأردن ومصر وبالفعل كانت الأردن أول دولة تتعاقد على شراء غاز ليفياثان من إسرائيل في سنة 2015 بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 15 عاما أثارت الصفقة موجة من الاحتجاجات الشعبية في الأردن ورفضها البرلمان ولكن الحكومة لم تعره اهتماما وبطريقة مشابهة وقعت شركة مصرية اتفاقية في سنة 2018 بقيمة 15 مليار دولار لاستيراد الغاز من إسرائيل على مدى 10 سنوات واعتبرها نتنياهو صفقة تاريخية ويوم عيد لإسرائيل ومؤخرا أعلنت إسرائيل عن توقيع صفقة بقيمة 35 مليار دولار لتصدير الغاز إلى مصر حتى عام 2040 وعلق وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي على الصفقة بقوله إن توقيع أكبر صفقة غاز في التاريخ خبر هام من الناحية الأمنية السياسية وكذلك من الناحية الاقتصادية وإنه يرسخ مكانة إسرائيل قوة إقليمية رائدة في مجال الطاقة يعتمد عليها جيراننا ويحتاجون إليها كما أنه خبر سار للاقتصاد الإسرائيلي سيجلب مليارات الدولارات إلى خزينة الدولة ويوفر فرص عمل ويعزز اقتصاد إسرائيل وهكذا نجح نتنياهو الذي يرتكب الإبادة والتجويع في غزة في إنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي الذي يتكبد خسائر اقتصادية وسياسية بتصدير الغاز لدولتين عربيتين

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح