معركة نيويورك سباق انتخابي قد يغير توجهات اقتصاد أميركا
141 مشاهدة
تشهد مدينة نيويورك العاصمة المالية للولايات المتحدة غدا الثلاثاء واحدة من أكثر الانتخابات المحلية سخونة في تاريخها الحديث وسط ترقب اقتصادي ومالي واسع لما ستسفر عنه المنافسة بين المرشح الديمقراطي الاشتراكي زهران ممداني والحاكم السابق أندرو كومو في سباق وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه اختبار للاتجاه الاقتصادي الجديد في قلب الرأسمالية الأميركية وقالت الإذاعة الوطنية العامة في الولايات المتحدة NPR في تقرير لها أمس الأحد إن ممداني الشاب البالغ من العمر 34 عاما يقف على بعد خطوة من أن يصبح أصغر عمدة للمدينة المالية الأبرز في العالم منذ أكثر من قرن وأول مسلم وجنوب آسيوي يتولى المنصب مدفوعا بقاعدة شبابية غير مسبوقة تمتد إلى خارج الولاية وقد سجل استطلاع كوينيبياك الأخير تفوقه بنسبة 43 مقابل 33 لمنافسه المستقل أندرو كومو و14 للجمهوري كرتس سليوا وفي خطوة لافتة قبيل انتهاء حملته الانتخابية ظهر ممداني في مقطع فيديو يتحدث باللغة العربية موجها رسالته إلى الجالية العربية التي يتجاوز عددها مليوني شخص في المدينة وخلال الفيديو أطلق ممداني الذي يقدم نفسه باعتباره صوت الطبقة العاملة والمهاجرين وعودا وصفت بـالحالمة أبرزها تجميد الإيجارات ورعاية صحية مجانية ومواصلات عامة مجانية وفي الوقت الذي حذر فيه الرئيس دونالد ترامب من أنه سيجمد مليارات الدولارات من التمويل الفيدرالي إذا مضت نيويورك في تجاربها الاشتراكية أشارت ذا إيكونوميست إلى أن معركة نيويورك تتجاوز حدود المدينة إذ يمثل اقتصادها 2 3 تريليون دولار نحو 9 من الاقتصاد الأميركي وسادس أكبر اقتصاد في العالم إذا اعتبرت دولة مستقلة ما يجعل أي تغيير ضريبي أو اجتماعي فيها قادرا على إعادة تعريف العلاقة بين رأس المال والسياسة في المدن الكبرى وبين طموح التغيير ومخاوف الانزلاق إلى المجهول يبدو أن انتخابات نيويورك المقبلة لا تختبر فقط مستقبل قيادة المدينة المالية التي تحضن البورصات الأميركية وحي المال الشهير وول ستريت بل مستقبل النموذج الاقتصادي الأميركي نفسه وهو ما يعني وفق بوليتيكو أن هذا السباق يتجاوز حدوده المحلية ليصبح مواجهة بين رؤيتين اقتصاديتين متعارضتين الأولى تنادي بتوسيع دور الدولة لحماية الطبقات العاملة أو ما يسميها البعض بـ الاشتراكية الديمقراطية والثانية تركز على جذب الاستثمار وحماية القطاع الخاص وفي حين يلقى ممداني دعما واسعا من الشباب والمهاجرين الذين يمثلون أكثر من 40 من سكان المدينة يراهن خصومه على خوف الطبقة الوسطى من ارتفاع الضرائب التي يقترح ممداني فرضها على الأثرياء وهروب رؤوس الأموال من البورصات وغيرها فيما تابعت الأسواق المالية العالمية وفي وول ستريت الحملة الانتخابية بقلق واضح إذ حذر عدد من المحللين من أن تطبيق سياسات ممداني قد يؤدي إلى خروج ما يقارب 15 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة خلال عامه الأول في المنصب لكن في نفس الوقت يرى مؤيدوه أن ضخ هذه الأموال في مشاريع الإسكان والنقل العام سيعيد تنشيط الطلب المحلي ويقلل معدلات الفقر التي بلغت 18 العام الماضي وفق بيانات مكتب الإحصاء الأميركي برنامج ممداني الاقتصادي وبحسب وسائل إعلام أميركية يرتكز البرنامج الاقتصادي لزهران ممداني المرشح الأوفر حظا لرئاسة بلدية نيويورك على رؤية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق في واحدة من أكثر المدن تكلفة في العالم فقد تعهد بتجميد الإيجارات في الوحدات السكنية المدعومة وتوسيع نطاق الإسكان الميسر عبر بناء نحو 200 ألف وحدة جديدة لذوي الدخل المحدود والمتوسط إلى جانب جعل المواصلات العامة الحافلات والمترو مجانية بالكامل وتأسيس متاجر غذائية تديرها البلدية لتوفير السلع بأسعار أقل nbsp وفي الجانب المالي يعتزم تمويل هذه البرامج من خلال فرض ضرائب تصاعدية على الشركات الكبرى والأثرياء وأصحاب الثروات العالية مقدرا الإيرادات الإضافية المتوقعة بنحو تسعة مليارات دولار سنويا توجه لدعم البنية التحتية الخضراء والرعاية الصحية والتعليم ورعاية الأطفال ورغم الانتقادات التي وصفت خططه بـ غير الواقعية نظرا لاعتمادها على ضرائب محدودة القاعدة يؤكد ممداني أن هذه السياسات ضرورية لإعادة التوازن إلى اقتصاد المدينة الذي يصفه بـ اقتصاد النخبة الذي يخدم المضاربين والمستثمرين الكبار دون أن ينعكس على حياة المواطنين وتقوم فلسفة ممداني الاقتصادية على فكرة إعادة توزيع الثروة وتحريك عجلة النمو من القاعدة الاجتماعية إلى القمة من خلال تمكين العمال والمستهلكين بدلا من تحفيز رأس المال وحده ويرى أن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 30 دولارا في الساعة بحلول عام 2030 سيزيد القدرة الشرائية للمواطنين ما يؤدي إلى تنشيط الأسواق المحلية الصغيرة والمتوسطة التي تمثل نحو 98 من منشآت نيويورك كما يعتبر أن مجانية المواصلات وتجميد الإيجارات سيساهمان في خفض تكاليف المعيشة ويمنحان الأسر استقرارا أكبر في مواجهة التضخم وارتفاع أسعار السكن غير أن اقتصاديين من بينهم محللون في معهد كاتو يرون أن تطبيق هذه البرامج دون إصلاح هيكلي في الموازنة العامة قد يؤدي إلى عجز مزمن في الإيرادات وتراجع تنافسية المدينة أمام المستثمرين مما يجعل تجربة ممداني الاقتصادية اختبارا حقيقيا لحدود النموذج الاجتماعي في قلب الرأسمالية الأميركية ما هي الاشتراكية الديمقراطية والاشتراكية الديمقراطية التي يعتمد عليها ممداني هي فلسفة اقتصادية سياسية تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية من دون إلغاء آليات السوق إذ تجمع بين اقتصاد السوق الحر وسياسات الرفاه الاجتماعي التي تضمن توزيعا أكثر إنصافا للثروة ونشأت فكرتها في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ردا على فشل الرأسمالية المتوحشة من جهة وتجارب الاشتراكية الشمولية من جهة أخرى وتعد دول شمال أوروبا مثل السويد النرويج الدنمارك وفنلندا أبرز النماذج الناجحة في تطبيق هذا النموذج حيث تمكنت من الجمع بين الإنتاجية العالية والعدالة الاجتماعية عبر ضرائب تصاعدية وتمويل شامل للتعليم والصحة والإسكان أما في تجارب أخرى كاليونان وإسبانيا وأميركا اللاتينية فقد واجهت الاشتراكية الديمقراطية صعوبات نتيجة تضخم القطاع العام وضعف الكفاءة الإنتاجية وارتفاع الديون ومع ذلك فإن نجاحها النسبي في الدول الإسكندنافية جعلها نموذجا يستشهد به في النقاشات السياسية الأميركية اليوم بوصفها محاولة لإصلاح الرأسمالية من الداخل دون تقويضها عبر تحويل الاقتصاد إلى أداة لخدمة المواطن لا مجرد وسيلة لتراكم رأس المال برامج المنافسين يقف في مواجهة زهران ممداني خصمان رئيسيان في سباق رئاسة بلدية نيويورك الحاكم السابق أندرو كومو والمرشح الجمهوري كورتيس سيلوا ولكل منهما رؤية اقتصادية مختلفة تعكس انقسام المدينة بين يمين يخشى التجارب الاشتراكية ويسار يدعو لإصلاح شامل ويطرح أندرو كومو الحاكم الديمقراطي السابق الذي يخوض الانتخابات مستقلا برنامجا يعتمد على خبرته الإدارية الطويلة ويركز على إحياء النمو الاقتصادي عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص وهو النموذج الذي ميز فترته السابقة في الحكم ويدعو كومو إلى زيادة عدد عناصر الشرطة بخمسة آلاف وتوسيع مشاريع الإسكان متنوعة الدخل لتقليل التفاوت الطبقي مع إصلاح نظام الرعاية الصحية والتعليم عبر ضخ استثمارات جديدة في البنية التحتية والخدمات العامة ويقدم نفسه بأنه صوت الاستقرار في مواجهة ما يصفه بـ المغامرة اليسارية لممداني لكنه يواجه انتقادات واسعة على خلفية اتهامات الفساد والتحرش التي أنهت مسيرته السياسية عام 2021 إلى جانب مسؤوليته عن سوء إدارة أزمة كورونا في دور رعاية المسنين أما كورتيس سيلوا مؤسس منظمة ملائكة الحراسة الأمنية فيخوض السباق ممثلا للجمهوريين برؤية محافظة ترتكز على خفض الإنفاق العام وتخفيف القيود التنظيمية عن المستثمرين ويدعو سيلوا إلى خفض الضرائب لجذب رؤوس الأموال وتحرير الأسواق العقارية والتجارية من البيروقراطية مع التركيز على تعزيز الأمن العام باعتباره أساس النشاط الاقتصادي ويقدم نفسه مدافعا عن المدينة الحقيقية ضد ما يسميه نخبوية الديمقراطيين لكنه يعاني من ضعف التأييد الشعبي في مدينة تميل ديموغرافيا إلى اليسار وهكذا يظهر المشهد الانتخابي وكأنه استفتاء اقتصادي على هوية نيويورك المستقبلية بين ممداني الذي يعد بتجديد اجتماعي واقتصادي جذري وكومو الذي يرفع شعار الاستقرار عبر الإدارة التقليدية وسيلوا الذي يراهن على الانضباط المالي والسوق الحرة القلب الاقتصادي تعد مدينة نيويورك القلب الاقتصادي والمالي للولايات المتحدة والعالم إذ تسهم وحدها بما يقارب 10 من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي وتضم أهم المراكز المالية العالمية وفي مقدمتها وول ستريت التي تحتضن بورصتي نيويورك وناسداك بما تمثله من ثقل في أسواق الأسهم والسندات والسلع ويقدر حجم الناتج الاقتصادي للمدينة بأكثر من 2 5 تريليون دولار سنويا وهو ما يجعلها في مرتبة تنافس اقتصادات دول كبرى مثل فرنسا أو المملكة المتحدة كما تضم المدينة مقرات كبرى الشركات متعددة الجنسيات ومراكز التمويل والاستشارات والمحاسبة والتأمين إلى جانب قطاع التكنولوجيا المالية المزدهر الذي يتوسع بوتيرة سريعة في بروكلين وكوينز إلى جانب ذلك تعد نيويورك المحرك المالي الرئيس للنظام الفيدرالي الأميركي حيث تعتبر أكبر مساهم صاف في الإيرادات الضريبية الوطنية وتؤثر قراراتها الاقتصادية مباشرة في حركة الأسواق العالمية وأسعار العملات والفائدة ويعمل في قطاعاتها المالية والمصرفية ما يزيد على 400 ألف موظف بينما يوفر قطاع العقارات وحده مئات المليارات من الدولارات سنويا ما يجعل من أي تحول في سياساتها الضريبية أو العقارية قضية قومية وليست محلية فحسب nbsp كما تمثل المدينة مركزا عالميا للتجارة والإعلام والسياحة والتعليم العالي إذ تجذب أكثر من 60 مليون زائر سنويا وتستضيف مؤسسات مرجعية مثل الأمم المتحدة وجامعات كولومبيا ونيويورك ما يمنحها بعدا سياسيا واقتصاديا لا يتوافر لأي مدينة أخرى في العالم وهو ما يفسر حجم الاهتمام الوطني والدولي بانتخاباتها وتأثيرها المباشر على توجهات السوق الأميركية والعلاقات الاقتصادية العالمية