معركة الازدواجية
المبدأ، في تعريفه الأبسط، هو القاعدة الكلّية التي لا تتبدّل بتبدّل الظروف ولا تنحني أمام المصلحة، هكذا تقول المعاجم وهكذا يقول أصحاب المبادئ حين لا تُمسّ مصالحهم. أمّا المعيار، وفق فيلسوف القانون رونالد دوركين (1931- 2013)، فهو يلعب دور الأداة التي يتحوّل بها المبدأ إلى اختبار قابل للتطبيق. يمثّل المبدأُ القيمة ويمثّل المعيارُ المقياس. غير أن هذا التمييز يصطدم بظاهرة الازدواجيّة المزمنة. لنستحضر مثلاً صورة لاعب كرة القدم لامين يامال وهو يرفع العلمَ الفلسطيني واقفاً على سطح حافلة فريق برشلونة، خلال احتفالات التتويج بلقب الدوري الإسباني لموسم 2025- 2026. لم يطلق الفتى رصاصةً، ولم يلقِ خطاباً سياسياً، بل رفع رايةَ شعبٍ يتعرّض لإبادة، فانفجر في وجهه طوفانٌ من الانتقادات. وصفه الناشط الصهيوني يوسف حداد بأنه دليل على أن الموهبة الرياضية لا قيمة لها إن لم يمتلك صاحبها عقلاً، ناسياً أن يسأل لاعبيه الذين التقطوا لأنفسهم صوراً أمام الدبّابات: أين راحت عقولكم؟ أمّا مدرّب الفريق، الألماني هانسي فليك، فقد صرّح أنّ هذا الصنيع لا يروقه، بدعوى أن الفوتبول يجب أن يظل في منأى عن السياسة. كلامٌ من ذهب، لولا أنّه صادرٌ من المدرب الذي قاد المنتخب الألماني في مونديال قطر 2022، سامحاً للاعبيه بوضع أيديهم على أفواههم في الصورة الرسمية، احتجاجاً على فيفا التي منعت ارتداء شارات حقوق الإنسان. وهي حركة صُوِّرت في الإعلام الغربي فعلاً شجاعاً وتجسيداً للضمير الحيّ، لا تسييساً رخيصاً للرياضة.
لا تختلف مواقف فيفا، كثيراً، عن هذين الموقفين. هي أيضاً تتشدّق بشعارات النقاوة الرياضيّة، وتستظهر في وثائقها الأنيقة المعلقة على جدران مكاتبها في زيورخ بمبدأ الحياد السياسي في الملاعب، لكنّها سرعان ما تسيّس التظاهرات الرياضيّة بشراسة عجيبة، ما إن يتعلّق الأمر بخدمة دول مانحة وجنسيّات مُحصّنة. هكذا عُلّقت عضوية روسيا في غضون أيام من غزوها أوكرانيا عام 2022، بينما سُمِح للدولة الصهيونيّة أن تسرح وتمرح في المنافسات الدولية، من دون أي إجراء، رغم ما وثّقته محكمة العدل الدولية من أمارات الإبادة الجماعية. لكأنّ مبدأ عدم تسييس الرياضة
ارسال الخبر الى: