معركة تلو الأخرى أميركا التي تحارب نفسها والعالم

410 مشاهدة
جاء عرض فيلم معركة تلو الأخرى إخراج بول توماس أندرسون وبطولة ليوناردو ديكابريو وتيانا تيلور في توقيت بالغ الدقة في صناعة السينما العالمية ليضع صورة أميركا دولة عسكرية في المقام الأول أمام مشاهدي السينما ويمنحهم فرصة كاملة للحكم على تأثير السياسة الأميركية على ذواتهم ودولهم وهي الآن في طور الشعبوية الباطشة المعادية للآخر حتى على أراضيها في صورة مهاجرين يلوذون بها بعد أن خربت سياستها الخارجية أوطانهم الفيلم الذي بدأ التحضير له قبل سنتين يعكس كثيرا مما عبر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه وسياسته المعادية للمهاجرين والتي تصدى لها المهاجرون بالمظاهرات وأعمال الشغب فأعقبها رد فعل غاشم من قوات الحرس الوطني والجيش الذي أصر ترامب على إشراكه في معركته السياسية لرفع شعبيته وقد شهد عهده أول عرض عسكري أميركي أراد من خلاله تأكيد هيمنته وفرض الأمر الواقع على غرار ديكتاتوريات العالم الثالث من دون أن يكون للمواطنين أي حق في إبداء الرأي أو تغيير مسار السياسة تبدأ قصة الفيلم في سبعينيات القرن الماضي مع المجموعة الثورية الفرنسي 75 المتأثرة بالحراك الثوري في أوروبا ضد الشمولية والتي تسعى لاختراق مثيلتها في المجتمع الأميركي عبر عمليات عنف وسرقة وتدمير لمؤسسات الدولة الرأسمالية يقود المجموعة ثنائي محب وثائر هما بيفرلي هيلز تيانا تايلور وبوب فيرغسون ليوناردو دي كابريو تتقاطع مسارات المجموعة في إحدى هجماتها على مجمع لاحتجاز اللاجئين مع الكولونيل في الجيش الأميركي لوكجو شون بين الذي يتتبعهم لاحقا ويبدأ بالتهديد والضغط للقبض على غالبية أفراد المجموعة النشطة لا يقدم المخرج أندرسون في فيلمه ملحمة حربية على غرار أفلام الدعاية الأميركية بل الوجه المعاكس لها مهزلة وطنية مسلية للداخل الأميركي يغلب عليها العبث والعنف في ترابط فكري وجسدي أكثر تماسكا من معظم الإنتاجات الأميركية الأخيرة النقاش الذي يفتحه المخرج حول دور الجيش والدولة العميقة في تشكيل الواقع الأميركي يمنح العمل بعدا نقديا حادا يقرأ اللحظة الراهنة ويعيد تعريف وظيفة الفن أداة مساءلة للسلطة تظهر حركة الفرنسي 75 ثورة بلا رؤية مدفوعة بالعاطفة والانفعال أقرب إلى آلة شعورية تتفجر بعد عقود من الانغلاق والسياسات السلبية في أميركا أعضاؤها متضاربون في قراراتهم وانفعالاتهم وتجسد هذا التناقض شخصية بيفرلي هيلز بوصفها امرأة مفرطة في رغبتها الجنسية ترى في العنف وسيلة لتبرير وجودها الضيق وبعد سلسلة من الاندفاعات غير المحسوبة تعتقل بيفرلي وتدل على أسماء رفاقها ثم تهرب إلى كوبا والجزائر حيث تمارس الفعل الثوري بوصفه سياحة أو حلما بعيدا بلا رؤية سياسية حقيقية على الأرض الأهمية الأدبية والفكرية تبلغ ذروتها مع شخصية الأستاذ الجامعي أحد أعضاء الحركة السابقين الذي اختار أن يواصل نقد المجتمع الأميركي من موقعه الأكاديمي عبر محطة إذاعية بسيطة هذا الوجود يرمز إلى بقاء صوت الفكر والمعرفة مقاومة داخل النظام الرأسمالي وإلى دور الجامعات بوصفها مؤسسات توازن القوى وتمنع استشراء الفاشية يظهر الأستاذ الجامعي دون شاريتون في حالة إنهاك وملابس متواضعة تعبيرا عن واقع الأكاديميا الأميركية تحت سطوة رأس المال يختطفه الجيش بمساعدة قاتل مأجور من السكان الأصليين لتكميم صوته وسط علو صوت المؤسسة العسكرية وسطوتها على الحياة المدنية وجود الكولونيل لوكجو يجسد ما يمكن أن تخلقه الشعبوية السياسية في نسختها الترامبية حين تمتزج بالقوة العسكرية إنه الصورة المادية لجسد أميركا العسكري الذي اعتاد السيطرة على الخارج منذ الحرب العالمية الثانية وها هو الآن يعود ليحكم الداخل الملابس المدنية التي يرتديها الكولونيل مع الأداء الجسدي لـشون بين الذي حافظ على مشيته العسكرية طوال الفيلم عكسا مزيجا من القوة الفارغة والهزل لرجل متوسط القدرات شديد البنية أقصى مؤهلاته قدرته على استخدام العنف المركز وقتما يشاء ومن خلال هذا العنف يسعى للانتماء إلى الدولة العميقة والانخراط في منظومتها العبث والكوميديا في الفيلم يتمركزان حول شخصية بوب الغارقة في المخدرات واللهو بعد ماض ثوري في شبابه حين يرتبط بجماعة سرية اسمها مغامرو عيد الميلاد يجد نفسه أمام كيان مخيف ومليء بالشر التافه تأتي هذه الجماعة صورة مصغرة للدولة العميقة الأميركية بمعتقدات شبه دينية صارمة عن النقاء العرقي والطموح السياسي إلى درجة القتل يسخر المخرج من تزمتها عبر تصويرها بطريقة كرتونية فاقعة ألوان زاهية وديكورات صاخبة وملابس مبالغ فيها حتى في مشهد استجوابها للكولونيل الذي يشترط للانضمام إليها ألا يكون قد خضع لأي فحوصات نفسية أو عقلية تصل حالة الاحتقان العسكري التي تمارسها قوات الأمن ضد المهاجرين إلى ذروتها فالمعاملة مع المواطنين العاديين تتحول إلى حرب عسكرت الدولة المجتمع بأكمله والجيش يقود الأمن في مواجهة المدنيين بعد عرض الفيلم يعقد ترامب اجتماعا مع قادة الجيش ويوصيهم بمواجهة العدو الداخلي دائرة مغلقة من العربدة العسكرية كما يصورها أندرسون يظهر القاتل المأجور من السكان الأصليين ليعكس الضمير الأميركي المطمور بعد أن يوصل الطفلة ويلا إلى حديقة يقطنها مرتزقة سابقون في الجيش الأميركي يمتنع عن قتل الأطفال كما يطلب منه بينما المرتزقة لا يترددون في ذلك تتبدل دوافعه فجأة فيتحول من خضوعه السابق إلى آلة قتل بلا مبرر ضد المرتزقة أنفسهم ربما ليفسح المجال للطفلة بالنجاة وربما ذلك منه صرخة ضد استسهال القتل الذي مارسه هؤلاء حتى بحق شعبه من السكان الأصليين اعتمد أندرسون بمشاركة مدير التصوير مايكل بومان على إبراز مساحات شاسعة من الصحراء الأميركية في مشاهد معركة تلو الأخرىnbsp رمزا لجفاف الروح القومية وقسوة البنية العسكرية المواقع التي دارت فيها الأحداث خصوصا في صحراء إلباسو سبق أن احتضنت أفلاما نقدت الشمولية الأميركية مثل Sicario وNo Country for Old Men الصورة الفيلمية والموسيقى تماهتا إلى أقصى حد إذ بلغت الإيقاعات ذروة التشويق باستخدام مفتاحي بيانو فقط لتجسيد ثنائية ضيقة تعبر عن الفراغ الوجودي والخطر الكامن في اللحظة السياسية الراهنة في مشهد المطاردة قبل النهاية يختصر المخرج فلسفة فيلمه عبر ثلاث سيارات ترمز إلى ثلاث عينات من المجتمع الأميركي الأولى تحمل القاتل حليف الدولة العميقة والثانية بوب فيرغسون المواطن العادي والثالثة الطفلة ويلا رمز المستقبل والرغبة في النجاة تتداخل الكاميرا صعودا وهبوطا في مشهد طويل يمثل مجازا للصراع بين الماضي والحاضر والمستقبل من يهرب ومن يحاكم ومن يعبر إلى الغد بهذا المشهد يقدم أندرسون خلاصة فلسفته السينمائية راصدا لتحولات المجتمع الأميركي منذ نشأته وقيمة تحذيرية مما قد يأتي إن استمر هذا المسار كما هو عليه اليوم

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح