معرض القاهرة للكتاب حشود بلا جمهور ثقافي
صور القاعات الخالية في بعض ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57 التي تُختتم الثلاثاء المقبل، وضعت المثقف والقارئ وقبلهم المسؤول في دائرة الاتهام. غير أن الجدال حول هذه الصور هو ما يستحق الانتباه، لأنه يكشف عن صراع بين أقطاب مختلفة تنظر إلى الثقافة من زوايا متباينة. من جهة، يرى المسؤولُ المعرضَ باعتباره إنجازاً تنظيمياً ولوجستياً، ويعتبر الأرقام المليونية صك النجاح الأكيد؛ فالنجاح في نظره يقاس بالقدرة على الحشد، وضمان انسيابية الحركة، وتأمين الملايين. في هذا الإطار، تصبح الندوة مجرد بند في جدول الأعمال، والمبدع حيزاً يملأ الفراغ.
من هنا تُفسَّر صور القاعات الفارغة على أنها محاولة لتشويه النجاح، كما جاء في رد المدير التنفيذي للمعرض: قد يكون المبدع نفسه لا يستهدف الجمهور في حياته، إذا ما سلمنا برأيه، فما سر وقوف الشاعر على المنصة مأخوذاً؟ من جهة ثانية، يدافع المبدع عن كرامة إبداعه؛ بعدم الاعتراف بخلو قاعته الذي قد يفسر بأن كلمته باتت بلا جمهور، لذا يميل إلى مهاجمة الصورة على أنها لقطات مجتزأة أو ضغائن وسط ثقافي، ليس دفاعاً عن نجاح المعرض، بل خوفاً من نسيانه.
الطرفان (المسؤول والمبدع) يشتركان في إنكار الواقع؛ الأول يرفض الاعتراف بأن هناك أزمة في المحتوى رغم حشد الأجساد، والثاني يرفض الاعتراف بأن وسيلة الندوة الكلاسيكية ماتت إكلينيكياً. أما العدسة التي التقطت المشهد البائس، تفرق دمها بين فريقين، البعض اعتبرها مؤامرة على الثقافة والمثقفين، بينما رآها آخرون مرآة تعكس واقعاً نحاول الجميع الإشاحة عنه.
مواطن ومبدع ومسؤول
أزمة القاعات الخاوية في المعرض ليست بصدمة، بل هي تفاقمٌ لمرض مزمن، إذ لا يمكن قراءة ذلك بمعزل عن سياق ممتد لأكثر من نصف قرن، شهد خلاله المعرض انتقالات مكانية وإدارية بدلت من صورته في نفوس الجميع؛ فمنذ انطلاقه عام 1969، تنقّل بين الجزيرة وأرض المعارض بمدينة نصر، وصولاً إلى مقره الحالي بالتجمع الخامس عام 2019، وهي الخطوة التي أُحيطت آنذاك بتخوفات واسعة
ارسال الخبر الى: