مضيق هرمز يشدد الخناق على الخليج اقتصادات تخسر مليار دولار يوميا
64 مشاهدة
بعد 26 يوما من إغلاق مضيق هرمز الحيوي تكبدت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي خسائر تقدر بما بين 18 و20 مليار دولار من عائدات النفط والغاز المباشرة بخلاف الخسائر غير المباشرة وفق تقديرات صادرة عن مؤسسات بحثية غربية تتابع تطورات الحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة وهو ما سلط الضوء على حجم هذا النزيف المالي اليومي وكيفية تعاطي دول مجلس التعاون الخليجي معه ووفق تقدير نشرته منصة أليانز تريد Allianz Trade المعنية بتقييم المخاطر الاقتصادية والتجارية في الأسواق الناشئة في منتصف مارس آذار الجاري فإن هذا النزيف يبلغ نحو 745 مليون دولار يوميا من عائدات النفط والغاز وحدها مترافقا مع ارتفاع حاد في تكاليف الشحن والتأمين واضطراب متزايد في سلاسل الإمداد ما يرفع إجمالي الكلفة الاقتصادية على الاقتصادات الخليجية المعتمدة على المضيق إلى ما يتجاوز 25 مليار دولار خلال فترة الإغلاق ما يعني خسارة قدرها نحو مليار دولار يوميا ومع افتراض بقاء الأسعار ضمن نطاق يتراوح بين 100 و120 دولارا لبرميل برنت خلال فترة الأزمة بات تراكم هذا النزيف مرشحا للتصاعد سريعا إلى عشرات المليارات في مزيج يجمع بين العائدات النفطية المفقودة وتكاليف الشحن والتأمين المتصاعدة واضطراب سلاسل التوريد إلى جانب تأثير ذلك في الاستثمار داخل اقتصادات تعتمد بدرجات متفاوتة على التدفقات المستقرة من النفط والغاز عبر هذا الممر البحري الضيق وذلك بحسب تقدير نشرته مؤسسة سولابيلي SolAbility المعنية بتحليل استدامة النماذج الاقتصادية وأثر النزاعات على النمو في 13 مارس الجاري صدمة اقتصادية مستمرة من إغلاق مضيق هرمز في هذا الإطار يشير الخبير الاقتصادي المدير العام السابق في البنك المركزي العراقي د محمود داغر في حديثه لـالعربي الجديد إلى أن التأثيرات الاقتصادية الكبيرة للحرب تتضاعف على دول المنطقة ولا سيما دول الخليج العربي وإيران التي ترزح تحت وطأة حصار اقتصادي خانق ويوضح أن دول مجلس التعاون كانت تمد العالم بما يتراوح بين 20 و25 من إجمالي صادرات النفط أي ما يعادل ملايين البراميل يوميا من الإنتاج العالمي الأمر الذي يجعل أي تعطل في هذا التدفق بمثابة ضربة بالغة لكل من منظمة أوبك والاقتصاد العالمي الذي يعتمد على أسعار نفط الخليج دبي وعمان بوصفها معيارا رئيسيا للتسعير ويتابع داغر أن الآثار الاقتصادية تتباين بين دول المنطقة تبعا لقدرتها على الوصول إلى منافذ بديلة فبينما تمتلك السعودية منفذا على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى خمسة ملايين برميل يوميا وتتمتع عمان والإمارات عبر الفجيرة ببدائل بحرية محدودة فإن العراق والكويت وقطر والبحرين تعاني من شلل شبه تام في صادراتها النفطية نتيجة اعتمادها الكامل على مضيق هرمز ويلفت إلى أن هذا الانقطاع مقترنا بارتفاع الأسعار لتصل إلى نحو 112 دولارا للبرميل يفاقم الأزمة العالمية لا سيما أن دول الخليج تساهم أيضا بنحو 30 من احتياجات العالم من الأسمدة فضلا عن دورها المحوري في إنتاج البتروكيماويات والألمنيوم اللازمين للصناعات العالمية وعلى صعيد سلاسل الإمداد يوضح داغر أن هذه الدول التي تعد من الاقتصادات الاستهلاكية عالية الاعتماد على الواردات تواجه عوائق كبيرة في وصول البضائع رغم وجود مداخل بديلة عبر تركيا وسورية والبحر الأحمر وذلك نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار تأمين السفن الذي بات يشكل حاجزا أمام دخول حاويات البضائع والنفط ويشير إلى أن ما وصفه بالتعسف الإيراني في محاولة فرض سيطرة أحادية على مضيق هرمز المشترك مع عمان وتحويله إلى أداة ابتزاز للسفن الداخلة والخارجة أسهم في خلق مشهد اقتصادي معقد يعطل الصادرات والواردات الحيوية ويرفع فاتورة الاستهلاك العالمية بشكل غير مسبوق ويخلص داغر إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الوقود يمثل ضربة قاسية لمختلف القطاعات الخليجية والعالمية من نقل وصناعة وزراعة بما يؤدي إلى تضخم التكاليف ويدفع نحو موجة تضخم شاملة مؤكدا أن المنطقة على الرغم من غناها بهذه الثروات الاستراتيجية تشهد استنزافا مستمرا بفعل الحرب وأن الوقت قد حان لوقف هذا النزيف الاقتصادي قبل تفاقم تداعياته على الأمنين الغذائي والصناعي على مستوى العالم انهيار تجارة الموانئ بسبب إغلاق مضيق هرمز وفي السياق ذاته يشير الخبير في الاقتصاد الدولي دانيال ملحم في حديثه لـالعربي الجديد إلى أن إجمالي تقدير الخسائر الناتجة من توقف تدفق نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط ومشتقاته إلى جانب الأسمدة الزراعية وارتفاع تكاليف التأمين وتعطل سلاسل الإمداد يتراوح بين 1 5 و2 مليار دولار يوميا على مستوى المنطقة ويوضح أن هذه الخسائر تشمل الارتفاع الكبير في أقساط التأمين على السفن والشحن والاضطرابات اللوجستية وتأخر وصول البضائع ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستئجار والنقل فضلا عن تراجع حجم التجارة في موانئ المنطقة وهو ما يفضي إلى انخفاض الإيرادات غير النفطية المرتبطة بالخدمات اللوجستية والتجارية ورغم تنوع اقتصادات بعض الدول مثل السعودية والإمارات خلال السنوات الماضية فإن الاعتماد على الإيرادات النفطية لا يزال يشكل ما بين 60 و90 من موازناتها ما يجعل أي انقطاع في هذه التدفقات بمثابة صدمة كبيرة للمداخيل الحكومية بحسب ملحم الذي يضيف أن دول الخليج تمتلك في المقابل احتياطيات مالية ضخمة وصناديق استثمارية سيادية تمكنها من امتصاص الصدمة على المدى القصير سواء عبر بيع بعض الأصول أو توفير السيولة النقدية إلا أن ملحم يحذر من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يحول هذه الأزمة من صدمة مؤقتة إلى مشكلة هيكلية تهدد الأسس الاقتصادية لهذه الدول وتستدعي إعادة هيكلة عميقة لاقتصاداتها وفي ما يتعلق بقدرة الدول على تعويض الخسائر يشير ملحم إلى وجود تفاوتات واضحة بين دول المنطقة فبينما تعاني الدول التي تعتمد كليا على مضيق هرمز من شلل شبه تام تستطيع السعودية التخفيف من وطأة الخسائر بفضل قدرتها على تصدير ما بين 3 و5 ملايين برميل يوميا عبر خط الأنابيب الممتد إلى البحر الأحمر ينبع ويخلص ملحم إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميا قد يعوض جزئيا انخفاض الكميات المصدرة بالنسبة للدول التي لا تزال قادرة على الشحن إلا أن هذا الارتفاع لن يكون كافيا لتغطية الكلفة الإجمالية للأزمة ما سيضطر الحكومات الخليجية في نهاية المطاف إلى السحب من صناديقها السيادية واحتياطاتها من العملات الأجنبية أو تسييل بعض أصولها لسد الفجوة التمويلية وضمان استقرار الأسواق المحلية وتدعم بيانات أسواق الشحن هذه الصورة الكمية إذ تظهر أرقام تجارية مبنية على بيانات شركات تتبع الناقلات أن صادرات النفط من دول الشرق الأوسط عبر البحر تراجعت بما لا يقل عن 60 في 15 مارس الماضي مقارنة بمتوسط فبراير مع هبوط صادرات ثماني دول بينها السعودية والإمارات والكويت وقطر إلى نحو 7 5 ملايين برميل يوميا فقط بعدما كانت في حدود 26 مليون برميل قبل اندلاع الحرب ويعكس هذا الانكماش الحاد في الصادرات عمليا ضياع جزء كبير من العائدات الخليجية اليومية كما يرغم المنتجين على خفض الإنتاج أو اللجوء إلى تخزينه في ناقلات عائمة قرب الموانئ بحسب تقرير نشره موقع ماركت سكرينر MarketScreener 4 قنوات لخسائر الخليج وإذا كانت عوائد النفط والغاز المباشرة تمثل القناة الأولى التي تنتقل عبرها الخسائر فإن اقتصادات الخليج تتعرض في الوقت ذاته لضربات متزامنة عبر قنوات أخرى لا تقل حدة بحسب تقدير أليانز تريد الذي أورد أن إغلاق مضيق هرمز لمدة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع يقتطع نحو 11 من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج مجتمعة وذلك في سيناريو متوسط يمتد إلى ستة أسابيع ضمن موجة صدمة أوسع قد ترفع التضخم عالميا بنحو نقطة مئوية كاملة وتدفع تكلفة التمويل وأسعار الصرف إلى مستويات أعلى بما يعني زيادة أعباء خدمة الدين وتآكل هوامش الاستثمار العام والخاص في المنطقة وتتمثل القناة الثانية للخسائر في القفزة الكبيرة في تكاليف الشحن والتأمين على السفن العابرة للخليج حيث يشير تقدير سولابيلي إلى أن أقساط التأمين على المخاطر الحربية للسفن في منطقة الخليج قفزت بنسبة تتراوح بين 300 و500 ما يضيف عشرات آلاف الدولارات إلى تكلفة رحلة الناقلة الواحدة ويتحول في المحصلة إلى كلفة إضافية يتحملها المصدرون والمستوردون في دول مجلس التعاون غير أن هذه الزيادة لا تقتصر على ناقلات النفط بل تمتد أيضا إلى سفن الحاويات والبضائع العامة ما يعني أن جزءا من فاتورة الاستيراد بما في ذلك الغذاء والمواد الخام في دول الخليج يعاد تسعيره يوميا وفق منطق المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز بحسب تقدير سولابيلي وتظهر القناة الثالثة للخسائر بوضوح في سلاسل الإمداد غير النفطية ولا سيما في حركة الحاويات عبر موانئ الخليج الكبرى إذ يشير تقرير تحليلي نشره موقع Cyprus Shipping News المعني بصناعة النقل البحري وتحليلات سلاسل الإمداد في 20 مارس الجاري إلى أن الضغط على الممرات البديلة في بحر العرب والمحيط الهندي لا يعوض عمليا فقدان المرور المباشر عبر هرمز كما أن موانئ بديلة في عمان والسعودية والإمارات تواجه قيودا تتعلق بالطاقة الاستيعابية وبالربطين البري والبحري ما يؤدي إلى تأخيرات متزايدة في التسليم وتراجع في أحجام إعادة الشحن التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية لنموذج أعمال موانئ المنطقة أما القناة الرابعة للخسائر فتتمثل في الاستثمار والنمو غير المباشر وهي قناة تتعامل معها تقارير مراكز الأبحاث الاقتصادية بوصفها عاملا لا يقل وزنا عن خسائر العوائد النفطية اليومية وهو ما أشار إليه تقدير نشرته مؤسسة ديلويت Deloitte في 16 مارس الجاري منوها إلى أن استمرار اضطراب الإمدادات عبر هرمز إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة يدفع الشركات العاملة في المنطقة إلى تأجيل قرارات استثمارية كبيرة كما يدفع الحكومات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق مع زيادة محتملة في مخصصات الأمن والدفاع على حساب مشاريع البنية التحتية وخطط التنويع الاقتصادي وتضغط هذه التحولات على معدلات النمو المخططة في اقتصادات الخليج كما تزيد من حساسية أسواق المال لأي صدمة جديدة في أسعار النفط أو أسعار الفائدة العالمية بحسب التقدير ذاته وبجمع قنوات الخسائر الأربع فإن التقدير التحفظي لخسائر الدول العربية ولا سيما الخليجية منها خلال 25 يوما من إغلاق هرمز يدور حول 18 إلى 20 مليار دولار في العوائد النفطية والغازية المباشرة ويرتفع إلى نطاق يتجاوز 25 مليار دولار عند احتساب كلفة الشحن والتأمين وتعطل جزء من التجارة غير النفطية في المقابل تشير التقديرات الأوسع التي تأخذ في الاعتبار أثر التضخم وتباطؤ النمو في الخليج إلى إمكانية بلوغ الأثر الكلي على اقتصادات المجلس مستوى يقارب اقتطاعا من الناتج يتراوح بين 8 و11 في حال استمرار الإغلاق لمدة ستة أسابيع وذلك بحسب نماذج الخسائر الإقليمية الواردة في تقرير سولابيلي حول الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز وإزاء ذلك فإن أزمة هرمز الحالية لا تختبر فقط قدرة دول الخليج على امتصاص صدمة عابرة في أسعار النفط بل تكشف أيضا حدود البدائل اللوجستية المتاحة حاليا سواء من خطوط الأنابيب أو الموانئ المطلة على بحر العرب كما تعيد طرح سؤال هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد في جوهره على ممر بحري واحد لتمويل خطط التنويع والتحول الاقتصادي في العقود المقبلة وذلك بحسب تحليل نشره مركز ستيمسون Stimson المتخصص في قضايا الأمن والاقتصاد الدولي في 19 مارس الجاري