خطت الدراما الجزائرية هذا العام خطوة مهمة في المواضيع المتنوعة التي تتطرق إليها مقارنة بالسنوات الماضية في هذا السياق تمثل الدراما التاريخية فاطمة استثناء لافتا فيسرد العمل مرحلة مهمة من تاريخ مدينة الجزائر في الفترة الأولى للاحتلال الفرنسي إذ اختار المخرج جعفر قاسم التحرر من النص التاريخي الثابت ليبني دراما متخيلة لكنها مستوحاة من واقع تاريخي يفتح مسلسل فاطمة يبث على قناة سميرة خطا جديدا وغير مسبوق في الدراما الرمضانية المنتجة محليا فيخوض في قصة تاريخية تصور مشاهد مركبة من حياة المجتمع الجزائري في حي القصبة العتيق في العاصمة الجزائرية خلال المرحلة الأولى للاحتلال الفرنسي للجزائر ويبرز مجموعة من القيم والتقاليد الحياتية والحقائق ذات العلاقة بالحب والفن والعلاقات الاجتماعية والدين والمقاومة ويستعيد رسم صورة حقيقية ومغيبة نسبيا عن الذاكرة الجزائرية إذ عمل فريق على إبرازها وهذه تحسب للمسلسل كونه أنصف التراث الجزائري بصريا وجماليا فاستدعى عالما متكاملا للمجتمع من اللباس التقليدي والحلي والعادات والتقاليد لم يكن اختيار اسم فاطمة لبطلة المسلسل ومحوره الدرامي عبثيا ذلك أن جنود الاستعمار الفرنسي كانوا يطلقون هذا الاسم على كل امرأة جزائرية تدور قصة المسلسل حول الشابة تحمل هذا الاسم فتاة مراهقة لديها هواية الغناء تعيش في مجتمع جزائري تحكمه تقاليد عريقة ومحافظة فمن الصعب على الفتاة أن تخرج عن ذلك لكنها تتمسك بهوايتها وأحلامها الجريئة خاصة عندما تلتقي الزهراء تلك المطربة العائدة من المنفى حيث أحيت سهرات غناء النوبة نوع من الغناء التقليدي مستوحى من المدرسة الأندلسية في العاصمة الجزائرية لتستلهم منها تمتلك فاطمة تجربة في معايشة هذا الواقع ويتداخل كل ذلك مع مسار معقد ومتداخل بالحب والعلاقات الاجتماعية ويبرز جوانب مهمة من حياة المجتمع الجزائري مثل اللباس والتقاليد المعيشية والأغراض والأعراس وغيرها وكذا تعليم القرآن ودور المسجد ومقاومة الاستعمار يؤكد المخرج جعفر قاسم أن فاطمة يتضمن جوانب سياسية مهمة ورسائل واضحة إذ يبرز المسلسل مدى ثقافة وتحضر مجتمع مدينة الجزائر والتعليم والفن والتقاليد والعمران وهذا يعني بكل وضوح أن الاستعمار الفرنسي عندما دخل إلى الجزائر وجد مجتمعا متعلما ومتحضرا ولديه تقاليد وفن نظام اجتماعي منسق وليس مثلما أرادت المدرسة التاريخية الفرنسية تزوير التاريخ عندما حاولت أن ترسم صورة مغايرة تقول إن فرنسا نقلت الحضارة إلى الجزائر هذا غير صحيح تماما يضيف هناك قيم يكرسها المسلسل من خلال تمسك ذلك المجتمع في الفترة الأولى للاحتلال بتقاليده كونها نوعا من أنواع المقاومة الثقافية والدينية حتى من خلال دور المرأة الجزائرية الشجاعة لا يوجد كثير من الكتابات التي ترصد هذه الفترة المهمة من كل هذه الجوانب في تاريخ مدينة الجزائر لذلك اختار المخرج جعفر قاسم الاعتماد على قصة متخيلة لبناء هذه الدراما التي كتبتها ميرة باباسي وأعد السيناريو لها صالح شيهاني يقول المخرج قاسم لـالعربي الجديد يسود الاعتقاد أن كل ما هو تاريخي وثائقي لكن نحن خلقنا حالة تاريخية يمكن أن نستغلها ونعمل عليها من خلال رواية تماما مثلما كان الحال في مسلسل دار السبيطار عام 1974 عن رواية محمد الديب والتي كانت آخر عمل درامي تاريخي يصور الحياة داخل مجتمع صغير في ذروة البؤس والظلام الاستعماري يضيف لقد كان الاعتماد على قصة متخيلة بدلا من واقعة تاريخية بعينها مسألة مهمة اخترت معيار الخيال لأنه أهم من الحقيقة بالنسبة إلى الجانب التاريخي لكننا أدمجنا في المسلسل حقائق ووقائع مثل هدم الفرنسيين لحي القصبة السفلى لبناء حي أوروبي وتحويل مسجد كتشاوة مسجد تاريخي عريق ليصبح كنيسة بمعنى أنني تركت الحقيقة تدخل في الخيال وفي جماليات كالألبسة والأمكنة بالنظر إلى طبيعة هذا المسلسل وقصته ومحموله التاريخي الثقيل كان يفترض أن يؤثثه عدد من الوجوه والممثلين البارزين في الساحة الجزائرية غير أن المسلسل اعتمد في الغالب على وجوه غير معروفة ولديها تجارب فنية محدودة منحت لهم الفرصة لأدء أدوار في المسلسل فعدا الممثل سليمان بن واري الذي يؤدي دور والد فاطمة لا تبرز أسماء راسخة فنيا في الجزائر ما يساعد على ضخ وجوه جديدة إلى ساحة التمثيل في الجزائر وهذه مسألة تحسب للمشرفين على المسلسل إذ تؤدي دور الشابة فاطمة الممثلة الشابة ريتاج عبد الله يبرر جعفر قاسم اختياره لهذا المنحى قائلا بالنسبة إلي كان هذا تحديا فالإنتاج بنفس الوجوه والممثلين قد لا يعطي للعمل صدقية كبيرة فضلت أن أعتمد على وجوه شابة زرت كل المسارح في الجزائر وفي مناطق داخلية واخترت ممثلين من مناطق متفرقة وكان هدفي الثاني هو تقديم وجوه جديدة لا ننسى أن الممثل الذي تقمص دور عمر بن الخطاب في المسلسل العربي المعروف لم يكن ممثلا معروفا من الصف الأول يشير السيناريست والكاتب ياسين بوغازي في تصريح لـالعربي الجديد إلى أنه بغض النظر عن المضمون والجوانب الفنية فإن مسلسل فاطمة يعكس تطورا مهما للدراما الجزائرية هذه هي المرة الأولى التي تنتقل فيها الدراما الجزائرية إلى القرن الـ19 وتتطرق فيها إلى مرحلة تاريخية ظلت مغيبة نسبيا بكل محمولها الثقافي والمجتمعي يوضح هذا يعني أن هذه الدراما بدأت تطرح تجارب واجتهادات مهمة يمكن أن تساهم في اتساع الأفق الفني في الإنتاجات المحلية الموجهة خاصة للعرض في شهر رمضان وبدأت تخرج سريعا من القضايا الاجتماعية المعاصرة كالعنف والمخدرات والحب والزواج والهجرة وغيرها مضيفا الجمهور ما زال متعطشا لمثل هذه الإنتاجات التي تغطي حقبا تاريخية مهمة وما زالت مشبعة بالقصص الجميلة لكن بوغازي يلفت إلى أن المسلسل أغفل المورفولوجية الخاصة بسكان العاصمة في تلك الفترة وركز كثيرا على البعد الجمالي لخلق بيئة عاصمية على طريقة البيئة الدمشقية