مستقبل اليمن أكبر من منطق الغلبة

يمنات
مبارك حزام العسالي
تجاوزت الأزمة اليمنية، بمراحلها العسكرية والسياسية المتعاقبة، حدود المناورة التقليدية، وبلغت من التعقيد والتداخل حدًّا يجعل الرهان على «الحسم العسكري الشامل» أقرب إلى استنزاف ممتد لما تبقى من مقومات المستقبل، منه إلى طريق حقيقي لإنهاء الصراع.
قد تتغير موازين القوة على الأرض، وقد تتبدل خرائط النفوذ من مرحلة إلى أخرى، وقد يحقق هذا الطرف تقدمًا هنا أو يتراجع ذاك هناك، لكن حقيقة اليمن الجغرافية والاجتماعية والسياسية تفرض قاعدة لا يمكن تجاوزها بسهولة: لا يمكن لطرف واحد أن يحكم اليمن منفردًا، ولا يستطيع طرف أن يلغي وجود طرف آخر من المعادلة الوطنية.
لا يخفى على أحد أن طبيعة المجتمع اليمني، بتنوعه السياسي والاجتماعي والجغرافي، تجعل مشاريع الإقصاء والغلبة خيارات مؤقتة مهما طال أمدها.. وكل محاولة لفرض واقع أحادي، سواء اتخذت غطاءً مذهبيًا أو مناطقيًا أو سياسيًا، أو استندت إلى دعم خارجي، لن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى إنتاج دورة جديدة من الصراع، لأن القوة تستطيع فرض الوقائع لفترة، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار أو بناء دولة قابلة للحياة.
ولهذا فإن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة الاقتراب من الحسم، فقد يكون مجرد إطالة لمسار يستنزف الإنسان والأرض والاقتصاد ويعمّق الجراح، بينما تظل نقطة النهاية السياسية قائمة أمام الجميع: الحوار حول شكل الدولة، وطبيعة الشراكة، وضمانات العيش المشترك، ومستقبل اليمن الواحد.
ومن هنا، فإن كلفة السلام، مهما بدت ثقيلة بسبب ما يتطلبه من تنازلات ومراجعات، تظل أقل بكثير من كلفة استمرار حرب مفتوحة لا يستطيع أي طرف أن يضمن إلى أين ستقود البلاد.
لكن السلام الذي يحتاجه اليمن ليس صفقة فوقية لتقاسم النفوذ والامتيازات بين مراكز القوة، وليس هدنة مؤقتة يستغلها كل طرف لإعادة ترتيب صفوفه استعدادًا لجولة جديدة؛ بل هو انتقال حقيقي من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن الاحتكام إلى القوة إلى الاحتكام إلى الدولة والقانون، ومن سلطة الفصيل إلى دولة المؤسسات والمواطنة.
وهذا الانتقال لن يكون ممكنًا ما لم تمتلك الأطراف شجاعة مراجعة الماضي
ارسال الخبر الى: