مريم أبو طالب ووليد طاهر حين يسعف الفن اللغة

138 مشاهدة
تبدو تجربة الفنانة المصرية مريم أبو طالب وكأنها محاولة لاستنطاق الحروف بما يتجاوز وظيفتها اللغوية المعتادة في أعمالها تتحول الأبجدية العربية إلى مادة بصرية حية تتنفس إيقاعاتها الخاصة وتتوزع على المساحات كما لو كانت كائنات تبحث عن معنى جديد لا تكتفي الفنانة باستدعاء جماليات الخط بل تمنح الحرف بعدا عاطفيا يمس الذاكرة والمشاعر فيغدو النص مشهدا مرسوما أكثر منه جملة مكتوبة في معرضها المشترك مع الفنان المصري وليد طاهر والمستمر في غاليري ضفاف بـ بيروت حتى 23 أكتوبر تشرين الأول المقبل تستمر الفنانة في هذه النزعة التي تجعل أعمالها أقرب إلى دفتر شخصي مفتوح في هذا الدفتر تسجل أبو طالب مشاعرها وتأملاتها لكنها في الوقت ذاته تربطه بسياق أوسع يتصل ببحث الفن المعاصر عن هوية بصرية عربية متجددة في هذا المعرض الذي يحمل عنوان مكتوب تتقاطع الذاكرة مع الحلم ويتحول الحرف إلى جسر يصل بين ما هو ذاتي وما هو إنساني عام ما الطريقة التي نقرأ بها الحرف هل نراه نصا أم صورة على الجانب الآخر في تجربة وليد طاهر تتجاور الحكاية مع اللوحة وتتشابك اللغة مع الخطوط والألوان في مساحة واحدة فالفنان الذي خبر الرسم الصحافي وكتب الأطفال ينقل حس الحكاية إلى أعماله التشكيلية ليمنحها بعدا سرديا يتجاوز المشهد البصري المباشر ألوانه ليست زينة سطحية بل إشارات إلى حالات إنسانية عابرة بينما تأتي ضربات فرشاته كأنها محاولة لتثبيت ما يتفلت من الوعي في أعمال طاهر تتجلى فكرة العبور والزوال إذ يتحول الشكل إلى أثر والملمس إلى صدى كما لو أن اللوحة لا تكتمل إلا في عين المتلقي الذي يعيد نسجها داخله يذهب طاهر في رحلته بين التجريد والتلميح إلى بناء لغة خاصة تتقاطع فيها الطفولة مع الفلسفة واليومي مع الكوني وفي هذا المزج يضع المشاهد أمام مرآة بسيطة وعميقة في آن تعكس لحظات هشة من وجودنا وتدعونا إلى إعادة النظر في معنى أن نكون عابرين في هذه الحياة قوة المعرض لا تكمن في فردية كل تجربة بقدر ما تتجلى في الحوار بين الاثنين فبينما تأخذنا مريم أبو طالب إلى الداخل حيث الحرف يتحول إلى سر شخصي وطلاسم حميمة يأخذنا وليد طاهر إلى الخارج حيث الكلمة تتجسد في الشارع وتلتقط من اللغة اليومية خفة الدعابة وقسوة الواقع هذه المسافة بين الداخل والخارج هي التي تمنح المعرض بعده الإشكالي ليتجاوز حدود العرض الثنائي إلى مستوى التأمل في الخط الفاصل بين الاثنين مرة ستارا يحجب ومرة مرآة تكشف ولعل ما يعزز هذه الثنائية هو طبيعة الخط ذاته فالخط عند وليد طاهر ليس سوى أداة لتسجيل أثر العابرين يلتقط جملا يومية من لافتة أو جدار ثم يعيد تقديمها ضمن فضاء اللوحة لتتحول إلى شهادة على وجود عابر أما الخط عند مريم أبو طالب فهو كائن يستدعي صيغا تراثية مثل المعلقات لتصبح الحروف هنا بمثابة قصائد بصرية تقف بين الماضي والحاضر وعبر هذا التقابل يبدو أن الفنانين يتحدثان اللغة نفسها لكن كل منهما يستخدمها بلهجة مختلفة ما يميز هذا اللقاء أن أعمال الاثنين لا تقرأ في عزلة عن سياقها الأوسع فطاهر القادم من خبرة الكاريكاتير والكتابة للأطفال يظل مشغولا بما هو إنساني عابر ساخرا حينا ومأزوما حينا آخر أما أبو طالب القادمة من عالم التصميم والحروفيات فتنطلق من الحرف لتعيد تشكيله في سياقات جديدة متأرجحة بين الحائط الممتد والورقة الصغيرة بين الجماعي والفردي هذا التنوع يمنح المعرض ثراء بصريا وفكريا ويجعل منه مساحة يلتقي فيها المشاهد مع أسئلة تخصه هو أيضا حول الطريقة التي نقرأ بها الحرف هل نراه نصا أم صورة وهل تكفي الكتابة لتسجيل الذاكرة أم أننا نحتاج إلى الفن ليكمل ما تعجز عنه اللغة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح