مركز غوم التجاري الروس يتسوقون منذ القرن السابع عشر
83 مشاهدة
على بعد أمتار من الكرملين يستوقفك مبنى لافت للأنظار يطل على الساحة الحمراء وسط موسكو إنه مركز غوم التجاري الذي يعود تاريخه لأكثر من قرن وربع قرن من الزمن وهو أحد أهم معالم العاصمة الروسية يستقطب المواطنين الروس والسياح الأجانب بمن فيهم العرب الذين يزداد عددهم عاما بعد عام افتتح المركز التجاري في ديسمبر كانون الأول 1893 وحمل بداية مسمى الصفوف التجارية العليا لكن سرعان ما تحول إلى أحد رموز الإمبراطورية الروسية أولا ثم الاتحاد السوفييتي واللافت أن أعمال بناء المركز استغرقت ثلاث سنوات فقط مع اعتماد الأسلوب المعماري الروسي على أيدي المهندسين المعماريين الروسيين ألكسندر بوميرانتسيف وفلاديمير شوخوف بعد افتتاح المركز أو ما يعرف بـالصفوف التجارية حينها كان يمكن شراء أي شيء ما شكل ثورة بمقاييس ذلك الزمن حيث احتضن صالونا لتزيين الشعر ومطعما وحتى مكتب بريد مع العلم أنه لم يتم اختيار موقع المركز صدفة حيث كان هذا الموقع يحتضن صفوفا تجارية منذ عهد القيصر أليكسي رومانوف في القرن السابع عشر ميلادي وفي عام 1921 منح المركز اسم غوم وما زال يحمل الاسم ذاته لغاية اليوم وهو اختصار لعبارة المتجر الحكومي العام ويشير مدير مكتب راديوس للرحلات في موسكو أنطون لاتينين إلى أن مركز غوم وموقعه يختزلان دلالات كبيرة تجسد المراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها روسيا ولا سيما العصر السوفييتي الذي يمكن رصد مظاهره حتى اليوم ما يزيد من جاذبيته بالنسبة للزوار ويقول لاتينين لـالعربي الجديد موقع المركز له دلالة تاريخية كبيرة في تاريخ موسكو كما شكل افتتاح الصفوف التجارية ثورة في عالم التجارة بمقاييس ذلك الزمن حيث تمت كتابة الأسعار على السلع لأول مرة وهناك حقائق طريفة كثيرة تتعلق به ومنها مثلا أن الطابقين الثاني والثالث كانا يحتضنان في الفترة السوفييتية المبكرة شققا سكنية جماعية لأكثر من أسرة يعود تاريخ مركز غوم لأكثر من قرن وربع القرن وهو أحد أهم معالم موسكو يستقطب الروس والسياح ويحمل موقعه دلالة تاريخية وثورة بعالم التجارة وبحلول عام 1930 كادت التجارة أن تتوقف في غوم بعد أن احتضن المبنى وزارات وجهات حكومية مع تخصيص جزء من مسطحاته لسكن العاملين كما اقتضى تخطيط إعادة بناء موسكو الذي اعتمده الزعيم السوفييتي آنذاك جوزيف ستالين إزالة غوم بشكل كامل لكن عامل الوقت لم يسمح بذلك قبل دخول روسيا الحرب العالمية الثانية عام 1941 وعقب وفاة ستالين عام 1953 أصدر المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي ومجلس وزراء الاتحاد السوفييتي قرارا باستئناف التجارة في غوم وبعد إعادة افتتاحه ضم غوم 11 قسما بما فيها منتجات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والأحذية والأثاث والسجاد والفرو ولعب الأطفال وغيرها وبحلول نهاية الستينيات ارتفع عدد رواد غوم إلى نحو 200 ألف يوميا بعد الحرب وانسحاب علامات تجارية غربية تهاوت أرباح مركز غوم الذي كان يحتضن نهاية الستينيات 200 ألف زائر يوميا وبحلول التسعينيات احتضن غوم عددا كبيرا من المتاجر المستقلة ومع انتقال الاتحاد السوفييتي من الشيوعية إلى الرأسمالية في السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية جرت خصخصة غوم عام 1990 مع تحوله إلى الشركة المساهمة المركز التجاري غوم مع أكثر من 15 ألف مساهم أغلبهم من الأفراد ومع ذلك يلفت لاتينين مدير مكتب راديوس للرحلات إلى أن غوم يحافظ حتى اليوم على العديد من المظاهر السوفييتية عبر إطلاق التسميات السوفييتية مثل غرفة الطعام 57 نسبة إلى عام 1957 حين احتضنت موسكو المهرجان العالمي للشباب والطلاب وسط توافد المشاركين من أنحاء العالم كافة وأكشاك بيع البوظة السوفييتية تبلغ المساحة الإجمالية لـغوم نحو 80 ألف متر مربع وتشكل المسطحات التجارية نحو 35 ألفا منها ومع تمدد جائحة كوفيد 19 عام 2020 احتضن غوم مركزا للقاحات استقبل نحو 5 آلاف شخص يوميا وبعد بدء المرحلة الساخنة من الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 وما ترتب عنها من انسحاب عدد من العلامات التجارية الغربية من السوق الروسية تهاوى صافي أرباح غوم في العام 2021 من 1 8 مليار روبل نحو 22 5 مليون دولار أميركي وفقا لسعر الصرف الحالي إلى 328 مليون روبل فقط نحو أربعة ملايين دولار في العام 2022 وفي نوفمبر تشرين الثاني 2023 أعرب ميخائيل كوسنيروفيتش وهو صاحب حصة تزيد على 97 من أسهم غوم عن استعداده لتفريغ مواقع المتاجر الأجنبية المغلقة للعلامات التجارية الروسية مشككا في الوقت نفسه بقدرة المصممين الروس على الحلول مكان العلامات الغربية الفاخرة بشكل كامل يحافظ غوم على المظاهر السوفييتية ومكانته السينمائية ويبقى التسوق فيه حكرا على الأثرياء ومع ذلك يؤكد لاتينين أن سلعة فاخرة تلبي كل الأذواق لا تزال متوفرة في غوم ويضيف ثمة علامات تجارية عالمية لا تزال فروعها موجودة في غوم بما يلبي أذواق السياح الخليجيين من محبي التميز ويبقى التسوق في غوم حكرا على الأثرياء علما أنه حتى قبل انسحاب العلامات التجارية الأجنبية لم يكن التسوق في المركز بمتناول سكان موسكو من أصحاب الدخل المتوسط ونظرا لتحوله في أذهان الروس إلى أحد أهم رموز العاصمة الروسية انعكس غوم في مرآة الفن والسينما الروسية ولعل أشهر أعمال كلاسيكيات السينما السوفييتية فيلم أنا أسير في موسكو من إخراج جورجي دانيليا وسيناريو غينادي شباليكوف تم تصوير قسم من مشاهده في غوم ويوضح لاتينين أن اختيار غوم لتصوير مثل هذا الفيلم الأسطوري لم يكن صدفة مستطردا يبدو أنه اتخذ قرار الترويج لمركز غوم على مستوى الاتحاد السوفييتي عبر اختياره لتصوير قسم مهم من مشاهد فيلم شكل رمزا لتخفيف القبضة الحديدية للسلطة بعد وفاة ستالين وكتب لشباليكوف أن يكون صوتا لهذا العصر وعن مكانة غوم السينمائية يقول المخرج السينمائي الروسي الشهير نيكيتا ميخالكوف الذي أدى أحد الأدوار في الفيلم المذكور غوم في ذهني ليس المتجر الأكبر إنما ساحة للتصوير إذ ارتبط بتلك الأيام الحارة عندما صورنا فيلم أنا أسير في موسكو كانت الأجواء مليئة بالقلق والفرح لجهة العمل مع جورجي دانيليا وشركائي في الفيلم ولا يزال غوم ساحة رئيسية للتصوير حتى اليوم حيث يمكن ملاحظة عرسان بملابس الزفاف يستمتعون بجلسات تصوير وسط أجوائه الكلاسيكية الفريدة ومع نهاية كل عام يتم نصب أشجار الميلاد داخل غوم وفي محيطه لتصبح الجولة فيه جزءا لا يتجرأ من برنامج قضاء عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة بين سكان موسكو وضيوفها