مذكرات سوزان جيل ليفين اختبار العالم عبر الترجمة
تكشف المترجمة الأميركية سوزان جيل ليفين من خلال السيرة كيف تتشكّل الترجمة بوصفها فعل شغف يقود تدريجياً إلى المخاطرة. تبدأ الحكاية باللغة والمتعة، ثم تتطوّر إلى وعي بالاختيار، وتنتهي عند مواجهة النصوص الأكثر تعقيداً وصعوبة، وعند اتخاذ قرارات واعية بترجمة أعمال دون غيرها بدافع أدبي وأخلاقي في آن. هكذا، لا تظهر المصادفة في تجربة ليفين حادثاً عابراً، بل هي شرط تأسيسي لمسار مهني وجمالي، تتحوّل فيه الترجمة من فعل تلقائي إلى مسؤولية إبداعية كاملة، كما ترويه في كتابها مذكرات مترجمة غير وفية (بلومزبري، 2025)، الذي يكتسب أهمية خاصة كونه لا يقدّم دفاعاً نظرياً عن الترجمة، ولا بياناً منهجياً مغلقاً.
يمكن وصف هذا العمل بأنه كتاب المكاشفة، أو كتاب الترجمة لأجل المتعة الخالصة. وهذا، في جوهره، ما قد لا يفهمه كثيرون، غير أننا كلما أتيحت لنا فرصة الاطلاع على تجارب مترجمين آخرين، وجدنا أن الترجمة كثيراً ما تأتي بالمصادفة. فهي ليست خياراً واعياً يُقبل المترجم عليه منذ البداية، بل مسار يُؤخَذ به إليه، وما إن يمضي فيه حتى يغرق في جمالية لا رجعة منها.
تضيء المؤلفة مراسلاتها مع فوينتس وحواراتها مع ماركيز
تجدر الإشارة إلى أن المقاطع التي تستعيد فيها سوزان جيل ليفين رحلاتها بين أوروبا ونيويورك، ولقاءاتها مع شخصيات محورية مثل الناقد والمحرر الأوروغوياني أمير رودريغيث مونيجال، أحد أبرز منظّري الأدب في أميركا اللاتينية ومرشدها الفكري المبكر، والروائي المكسيكي كارلوس فوينتس الذي ستعمل مترجمةً لإحدى نوفيلاته المنطقة المقدّسة، والكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الذي عرفته قبل نيله جائزة نوبل، لا تظهر في العمل بوصفها فصلاً مستقلاً أو وحدة سردية مغلقة، بل تتوزّع على نحو عضوي في القسم الأوسط من الكتاب.
هناك، تتشابك هذه المشاهد مع الفصول التي ترصد اندماج ليفين المبكر في شبكات ما يُعرف بـ الطفرة الأدبية اللاتينية، وانتقالها التدريجي من موقع الطالبة والقارئة إلى موقع المترجمة المنخرطة فعلياً في قلب المشهد الأدبي العالمي. وتتحوّل نيويورك وبرشلونة وباريس إلى عُقَد ثقافية تتشكّل فيها الترجمة بوصفها فعل عيش وتبادل، لا
ارسال الخبر الى: