مدينة قابس التونسية تتنفس الموت من جنة هادئة إلى كابوس بيئي

51 مشاهدة
تحت سماء ملبدة بأبخرة رمادية كثيفة تحولت مياه البحر قبالة مدينة قابس التونسية التي كانت تتلألأ بلونها الفيروزي ذات يوم إلى مسطح ملوث تلطخه بقع كبيرة من النفايات الكيميائية السوداء والصدئة nbsp الهواء هنا ثقيل وخانق يجعل من كل نفس تجربة مؤلمة مشبع بغازات سامة تلسع العيون وتحرق الحناجر nbsp اختفت الأسماك وذبلت الأشجار والواحات التي كانت تروى من ينابيع طبيعية عذبة تحترق الآن في تربة ملوثة ومسمومة وعلى الشواطئ لم يتبق سوى بضع سلاحف نافقة ونفايات وسفن مهجورة لطالما عرفت قابس بأنها جوهرة بيئية نادرة حيث تعانق الواحات الخضراء البحر المتوسط في مشهد فريد الجوهرة التي كانت تسمى جنة الدنيا حولها التلوث إلى أرض سامة يتنفس سكانها هواء مسموما كأنهم داخل غرفة غاز مغلقة بلا نوافذ أو مفر وما بدا ذات يوم مشروعا صناعيا واقتصاديا طموحا تحول ببطء إلى كارثة إنسانية وبيئية متفاقمة فالمجمع الذي يحول الفوسفات أهم ثروات تونس الطبيعية أنشئ عام 1972 باعتباره ركيزة للنمو الاقتصادي ومحركا رئيسيا لصادرات تونس وقد أصبح اليوم كابوسا حقيقيا يرعب السكان بشكل متزايد إذ تلوح مداخن المجمع الكيميائي في قابس فوق شواطئ تغمرها النفايات وتنفث غازات سامة يستنشقها سكان المناطق المحيطة بدلا من الهواء النقي كل شهيق هنا يبدو كأنه خطوة نحو موت بطيء وفي وقت سابق من هذا الشهر ومع تكرر حالات اختناق بين عشرات التلاميذ في مدارس قريبة من المصنع انفجر الغضب في واحد من أكبر التحديات للرئيس قيس سعيد منذ بدأ الحكم بالمراسيم سنة 2021 nbsp وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين الذين اقتحموا المجمع وطالبوا بتفكيكه وخرج عشرات الآلاف مجددا إلى الشوارع يوم الأربعاء الماضي في احتجاج حاشد nbsp وعلى عكس الاحتجاجات السابقة التي رفعت شعارات الحرية والديمقراطية في تونس جاءت مطالب سكان قابس أبسط وأكثر إلحاحا هم يطالبون فقط بحقهم في الحياة في التنفس يريدون نهاية لظروف يقولون إنها لا تطاق وفي الماضي كانت المدينة تعرف بأنها لؤلؤة بيئية بمزيجها الفريد من الواحات والسواحل وتنوعها الإيكولوجي لكنها اليوم أصبحت أرضا سامة تنتشر فيها أمراض السرطان والجهاز التنفسي وهشاشة العظام على نطاق واسع nbsp يقول صفوان قبيبيع وهو ناشط بيئي محلي في حديثه لـرويترز خلال رحلة إلى هناك المصنع سمم كل شيء الشجر والبحر والناس وأضاف حتى رمان قابس الذي اشتهرت به تغير وصار طعمه كالدخان nbsp كل شهيق في قابس يبدو كأنه خطوة نحو موت بطيء حيث تلوح مداخن المجمع الكيميائي فوق شواطئ تغمرها النفايات وسعيا لإخماد موجة الاحتجاجات المتصاعدة منذ أسبوعين قال سعيد هذا الشهر إن سكان قابس يتعرضون لاغتيال بيئي لكنه ألقى باللوم على حكومات سابقة داعيا الوزارات إلى معالجة التسربات الكيميائية بأسرع وقت ممكن nbsp ولم يتسن الحصول على تعليق من المجمع الكيميائي بني مجمع قابس قبل نصف قرن ويعد أكبر مصانع معالجة الفوسفات في تونس ويساهم بأكثر من نصف الإنتاج الوطني nbsp توفر هذه الصناعة مصدر دخل حيويا لحكومة تواجه ديونا كبيرة ونموا اقتصاديا ضعيفا nbsp لكن السكان يقولون إن الكلفة البشرية كانت باهظة nbsp ففي غنوش وشط السلام وهما منطقتان على أطراف المصنع من النادر أن تجد عائلة لم تمسها الأمراض أو فقدان أحد أفرادها nbsp تصف رمال الحاجي كيف بدأت ابنتها ناريمان تسع سنوات تعاني نهاية الشهر الماضي من صعوبات حادة في التنفس وبطء في الحركة إلى جانب عشرات التلاميذ الذين تعرضوا لتسمم واختناق جراء انبعاثات غازية من المصنع وفي منزل قريب جدا من المصنع تجلس الطفلة ناريمان بجوار والدتها على كرسي بلاستيكي وتعتمد عليها في كل حركة بعد أن أصيبت بمشكل عصبي نتيجة للاختناق أثر في قدرتها على الحركة بسلاسة nbsp تضيف الأم وهي تغالب دموعها لم تعد تستطيع المشي أكثر من خطوتين إنها مثل الوردة التي تذبل nbsp ومنذ ذلك اليوم توقفت ناريمان عن الذهاب إلى المدرسة وباتت حبيسة منزلها وفقا لوالدتها nbsp على بعد نحو كيلومترين فقط من المصنع تعيش أمينة منصور 53 عاما في منزل متواضع مغطى بالغبار nbsp وتملأ الأدوية وعاء بلاستيكيا وتتناثر عبوات دواء أخرى على السرير إنها مسكنات لعلاج هشاشة العظام وأيضا لسرطان الحنجرة الذي اكتشفته قبل ست سنوات nbsp وتقول أخبرني الأطباء بأنني بحاجة لمغادرة هذه البلدة على الفور لأتمكن من النجاة لكن إلى أين نذهب وكيف هذه أرضنا nbsp وتعدد أمنة منصور ستة من أقاربها أصيبوا بالسرطان كما أن زوجها وأطفالها يعانون من أمراض في العظام هذا التلوث يقتلنا جميعا هنا ببطء المجمع الكيميائي وانتشار السرطان في قابس جارتها مها محمود ليست أسعد حظا هي أيضا أصيبت بورم سرطاني ولا يفارق يديها جهاز الاستنشاق تقول بكثير من الألم أصبح هذا خبزي اليومي nbsp وقالت لم نعد نطلب طعاما أو وظائف لأبنائنا ولا تنمية نريد شيئا واحدا فككوا الوحدات الكيميائية القاتلة دعونا نتنفس دعونا نعيش nbsp إلى جانب أزمة الصحة العامة المتفاقمة انهارت الثروة السمكية التي كانت مصدر رزق رئيسيا لآلاف الصيادين هنا بحسب السكان والناشطين البيئيين ويتذكر ساسي علية وهو واحد من هؤلاء الصيادين كيف كان البحر مصدر رزقه وكرامته الآن لم يعد بالنسبة له سوى مصدر للبؤس nbsp وعند قارب صيد يعلوه الصدأ على شاطئ غنوش يفكك ساسي شباكه المتآكلة ويقول بحرقة البحر كان كل شيء ورثت الصيد عن أبي وجدي كان مصدر رزقنا الأساسي الآن صار كابوسا الأسماك اختفت انقرضت بعد أن أصبح بحر قابس مصبا للنفايات الكيميائية مضيفا أن صيده اليومي كان يكسبه ما يصل إلى 700 دينار تونسي حوالي 240 دولارا لكنه الآن بالكاد يجني 20 دينارا وفي أحسن الحالات مئة دينار لكنه غالبا ما يعود خالي الوفاض nbsp وبعد أكثر من 25 عاما في البحر اضطر ساسي مثل كثير من الصيادين في غنوش وشط السلام للاتجاه إلى الزراعة لإعالة أطفاله الخمسة قابس وكأنها منطقة حرب أظهر تقرير تدقيق بيئي رسمي أنجز في يوليو تموز 2025 مخالفات جسيمة للمعايير الوطنية والمتطلبات الدولية nbsp التقرير الذي جاء في 160 صفحة كشف أن المجمع الكيميائي يلقي يوميا ما بين 14000 و15000 طن من مياه الفوسفوجيبسوم غير المعالجة في البحر إلى جانب انبعاثات عالية من الأمونيا وأكاسيد النيتروجين والكبريتات nbsp وأضاف أن هذه التصريفات ألحقت ضررا بالغا بمروج الأعشاب البحرية وأدت إلى تصحر مناطق بحرية واسعة في خليج قابس يذكر موقع وكالة حماية البيئة الأميركية أن الفوسفوجيبسوم وهو مخلفات صناعية تتكون أثناء معالجة الفوسفات يحتوي على الراديوم الذي يتحلل لينتج غاز الرادون مشيرا إلى أن الراديوم والرادون عنصران مشعان وقد يتسببان في الإصابة بالسرطان وفي الولايات المتحدة تلزم الوكالة بإدارة الفوسفوجيبسوم ضمن هياكل هندسية مصممة خصيصا للحد من تعرض العامة لانبعاثات الرادون nbsp تعتزم الحكومة التونسية إنعاش صناعة الفوسفات وتأمل في زيادة الإنتاج إلى خمسة أضعاف لا توجد إحصاءات رسمية حول انتشار الأمراض في قابس كما أن نقص الدراسات يجعل من الصعب ربط هذه الحالات بالتلوث بشكل قاطع وفقا للدكتور كريم توفيق nbsp ولم يتسن الحصول على تعليق بخصوص عدد الإصابات بالسرطان ومدى ارتباطها بالتلوث الناتج عن المصنع الكيميائي nbsp لكن الطبيب المحلي كريم توفيق أكد أنه لاحظ ارتفاعا حادا في أمراض الحنجرة والأنف والعيون والعظام مع تدهور لافت في الظروف البيئية nbsp يضيف قائلا المدينة تبدو كمنطقة حرب إذ كنا نرى بضع حالات سرطان كل ثلاثة أشهر أم الآن فنراها يوميا السكان يعيشون فوق قنبلة كيميائية موقوتة وبينما تحاول السلطات تجنب توسع رقعة الاحتجاجات وفي الوقت نفسه دعم اقتصاد متعثر وحماية قطاع حيوي فإنها تسعى للبحث عن حلول واستقبل وزير التجهيز التونسي هذا الأسبوع سفير الصين ليبحث معه إمكانية تأهيل الوحدات الملوثة في المجمع الكيميائي وفقا لبيان من الوزارة في 2017 تعهدت الحكومة بإغلاق المصنع واستبداله بآخر مطابق للمعايير الدولية ولكنه أمر لم يتحقق مطلقا والآن تقول السلطات إنها تخطط لإعادة تأهيل المنشآت الحالية بدلا من إغلاقها nbsp لكن هذه الخطط لم تهدئ من غضب الناشطين والسكان الذين يقولون إنهم وصلوا إلى نقطة الانفجار مهددين بتصعيد تحركاتهم nbsp وتعتزم الحكومة إنعاش صناعة الفوسفات وتأمل في زيادة الإنتاج إلى خمسة أضعاف ليصل إلى 14 مليون طن بحلول عام 2030 لكن الكلفة الإنسانية تبدو باهظة nbsp يقول الناشط البيئي قبيبيع لكل طن يعالج من الفوسفات تزهق روح نحن لن نتخلى عن أرضنا رويترز

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح