في مديح التلاقي عند العزلة الرقمية

31 مشاهدة

أحسبني في هذا المقال أشبه بالمنادي التائه الذي كان يظهر في أفلام سينمائية تدور حول دينونة وشيكة: رجل أشعث الشعر، رثّ الملابس، يتوكّأ على عصا طويلة، يعترض المارة في الشوارع والأزقّة ويحدّق فيهم صارخاً: توبوا. وكانوا يفرّون منه خوفاً أو قرفاً… فتذهب صرخته سدىً. كان يدعو إلى التوبة لدرء مصير أسود محتوم سيحلّ على سكان المدينة، أو على الكوكب بأسره. ولم يكن أحد يعير رؤياه أي انتباه. وعندما يحلّ ذلك المصير الأسود، حتى هو لا يسلم من فورة غضبه.

أعي تماماً أن صرختي ستذهب أيضاً سدىً، لكنني سأواظب على إطلاقها في الأمكنة الواقعية القائمة، وتلك الافتراضية خاصة، علّها تجفّل الوجوه الجالسة خلف الشاشات، وتخز الأصابع التي تتزحلق عليها. صرختي تلاقوا هي دعوة إلى الالتقاء وجهاً لوجه، والأجساد حاضرة، والمشاعر حيّة، والتفاعل حقيقي. أطلقها محاولةً للنجاة من عزلتنا وخوفنا وفرديتنا الجافة، ولاستعادة أثر إنسانية فقدناها، عمادها التعاطف والتعاون. وليس في كلامي حنين إلى الماضي (لأن الماضي لم يكن برّاقاً هو الآخر)، بل أسف على كل لحظة تراجعت فيها اللقاءات الحضورية أكثر فأكثر بين البشر.

أسباب هذا التراجع كثيرة، وما غذّاه حديثاً قدوم التكنولوجيا الذكية الفردية التي بدورها سعّرت التنابز والتعاير والاستعلاء. ناسٌ منتشون بالتعبير عن أنفسهم، لم يعودوا يطيقون ناساً آخرين منتشين أيضاً بالتعبير عن أنفسهم، إلى درجة أنهم جميعاً يفضّلون الانطواء في جماعات صغرى مغلقة، أو التفاعل مع برامج الذكاء الاصطناعي، لا مع بشر، حتى في مواضيع حميمة. لا مع بشر، خوفاً من أي ردة فعل، فظّة منفّرة كانت أم سمحاء جذّابة؛ لكأننا نخاف الصفعة بقدر ما نحاذر العناق.

في لبنان، درج التملّص من الحضور الشخصي على نطاق واسع، وتحديداً إلى مناسبات وأحداث جادّة ومصيرية، كندوة أو عرض وثائقي أو لقاء مع غريم سياسي أو حتى حليف. صحيح أننا كنّا نتلاقى في التظاهرات حضورياً، ونسير معاً في اتجاهات كرّرناها نفسها في 2011 و2015 و2019، غير أن عيوننا لم تكن شاخصة نحو رجاء موحّد. وفي أحوال كهذه، يبقى عدد

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح