مخاوف الحرب الطويلة تصدم اقتصادات الخليج وأسواق الطاقة
56 مشاهدة
واصلت الضربات الإيرانية المضادة للهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية تشكيل تهديد مباشر للبنية اللوجستية والطاقية في دول الخليج العربية في اليوم السادس للحرب ما دفع أسعار النفط نحو مستويات حرجة وأعاد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بكلفة اقتصادية تصل إلى عشرات المليارات يوميا وتمثلت أبرز هذه الصدمات في اشتعال حريق كبير في خزانات تخزين النفط بميناء الفجيرة الإماراتي نتيجة شظايا طائرة مسيرة اعترضتها الدفاعات الجوية ما أدى إلى إيقاف فوري لعمليات التزود بالوقود والتخزين في أحد أهم مراكز الشحن البديل عن مضيق هرمز المغلق جراء الحرب ورفع كلف التأمين البحري بنسبة تصل إلى 5 أضعاف في دلالة واضحة على أن الإمارات التي تعتمد على الفجيرة لنقل 10 من صادرات النفط العالمية تواجه الآن اضطرابا في تدفقات الإيرادات والاستثمارات اللوجستية قدرت خسائرها الأولية بمليارات الدولارات بحسب تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ وفي سلطنة عمان تعرض ميناء الدقم لهجوم بطائرة مسيرة أصابت خزان وقود وميناء صلالة لمحاولات استهداف أسقطت معظمها ما أثار استنفارا أمنيا وأبطأ حركة الشحن في موانئ تعول عليها مسقط لتحقيق 30 من إيراداتها غير النفطية حيث تراجعت حركة العبور عبر بحر العرب بنسبة ملحوظة وزادت علاوات التأمين محولة فرصة إعادة التوجيه عن هرمز إلى عبء اقتصادي يهدد نمو القطاع اللوجستي بنسبة 5 7 في الربع الحالي بحسب تقرير نشرته منصة سي تريد ماريتايم نيوز Seatrade Maritime New المعنية بشؤون الموانئ والشحن وامتد التأثير إلى قطر مع إصابات في منشآت رأس لفان للغاز المسال أدت إلى وقف إنتاج مؤقت يقلل صادراتها بنحو 20 والبحرين التي تأثرت قواعدها الأميركية ما رفع كلف الدفاع والاستيراد والكويت التي سجلت اضطرابا في منشآتها النفطية يضغط على ميزانيتها المعتمدة على النفط بنسبة 90 والسعودية التي واجهت ضربات على موانئها الشرقية مع ارتفاع تكاليف الحماية في سياق عام شهد قفزة سعر برنت إلى أكثر من 80 دولارا للبرميل وإزاء تطورات كهذه تواجه دول الخليج معادلة اقتصادية معقدة تتمثل في مكاسب سعرية قصيرة الأجل مقابل خسائر طويلة في الاستثمارات والسياحة والتجارة مع تقديرات تشير إلى دفع الأسعار نحو 100 دولار إذا استمر إغلاق مضيق هرمز ما يفرض على العواصم الخليجية إعادة ترتيب أولوياتها بين الإنفاق الدفاعي والحفاظ على تدفقات الطاقة ركيزة للاستقرار المالي بحسب تحليل نشرته مجلة تايم الأميركية كسر حاجز الطمأنينة في هذا الإطار يرى الخبير الاقتصادي عبد الله الخاطر أن الأثر الأكبر لتطورات الحرب لا يزال تحت السيطرة فرغم التوقعات بردات فعل عنيفة في أسواق الطاقة أظهرت الأسواق مؤخرا قدرة غير مسبوقة على الصمود وعقلانية في التعامل لم تشهد في أزمات سابقة كأحداث باب المندب سابقا ما يعكس وعي صناع القرار بأن الحروب تخاض لأهداف استراتيجية واقتصادية محددة وليس عبثا بحسب إفادته لـ العربي الجديد غير أن التصعيد الحالي كسر حاجز الطمأنينة بالأسواق بحسب الخاطر نظرا إلى قرب ساحات القتال من منابع الطاقة وعدم وجود مسار بديل لمضيق هرمز كما هو الحال مع طريق رأس الرجاء الصالح وتقع الإدارة الأميركية في قلب هذه العاصفة بسبب حساسيتها المفرطة تجاه أسعار النفط ومعدلات التضخم حيث يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وأجور الطواقم إلى ضخ ضغوط تضخمية جديدة قد تعطل خطط خفض الفائدة وتهدد بدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود خاصة إذا استمر الإغلاق لأكثر من أسبوعين أو ثلاثة متجاوزا سعة المخزون الاستراتيجي الخليجي وهو السيناريو الذي يحذر منه الخاطر مشيرا إلى أن تكلفة رأس المال المرتفعة ستدفع المستثمرين إلى تأجيل أو إلغاء مشاريع حيوية وتتفاوت درجة التأثر بين الدول حيث تبرز الصين بوصفها أكثر المتضررين لاعتمادها الكبير على طاقة المنطقة رغم أن علاقاتها الجيوسياسية مع إيران وروسيا قد تمنحها ممرات استثنائية بينما تواجه دول الخليج تحديات في قطاعات حيوية كالسياحة والضيافة نتيجة إغلاق الأجواء وتوقف الرحلات الجوية التي كانت تدعم سيولة القطاع إلا أن تنوع اقتصاداتها وجهود دعم قطاع الأعمال والصناديق السيادية تمنحها مرونة عالية لامتصاص الصدمة بحسب تقدير الخاطر الذي يستشهد بتجارب سابقة كحصار قطر وجائحة كورونا وكأس العالم وهي التجارب التي عززت مناعة الاقتصاد الخليجي بحسب تعبيره ويخلص الخاطر إلى أن العامل الحاسم يبقى هو المدة الزمنية للأزمة فكلما طالت فترة الحرب زادت الضغوط على الجميع من دون رابح حقيقي ما قد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم في ضربة قاصمة للنمو العالمي غير أن التاريخ أثبت قدرة اقتصادات المنطقة على التكيف والصمود رغم الثمن الباهظ صدمة هيكلية للخليج في السياق يؤكد الخبير الاقتصادي بكري الجاك لـ العربي الجديد أن الأحداث الراهنة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط تمثل صدمة هيكلية لدول مجلس التعاون ستخلف تأثيرا بالغا على أسعار الطاقة حيث قفزت الأسعار فعليا من 63 إلى نحو 83 دولارا للبرميل مع توقعات ببلوغ حاجز 100 دولار إذا ما استمرت الحرب لأسابيع إضافية وتتجاوز المشكلة مجرد ارتفاع تكاليف التأمين على السفن أو تعقيدات الملاحة في مضيق هرمز لتمس جوهر الإنتاج نفسه بتعطل بعض المنشآت النفطية والمحطات المنتجة في أبوظبي وقطر نتيجة الضربات المباشرة ما يخلق حالة من الركود أو التراجع في النمو الاقتصادي العالمي ويؤثر سلبا على معدلات التنمية في الدول المستوردة للطاقة وفي مقدمتها الاقتصادات الكبرى مثل الهند والصين التي تعتمد اعتمادا شبه كلي على الغاز والنفط الخارجيين كما يوضح الجاك في تحليله لسلاسل الإمداد المتضررة وأما ما يخص دول الخليج فإن التأثير يتخطى الموازنات العامة ليمس الاستقرار اليومي والحياة المدنية بحسب الجاك موضحا أن استمرار التصعيد يضرب قطاع السياحة والخدمات في ذروة مواسمه ما يدفع دول الخليج إلى الدخول في مرحلة اقتصاد الطوارئ وامتصاص الصدمات بدلا من التركيز على خطط النمو التقليدية مشيرا إلى أن تعطيل الحياة اليومية أصبح جزءا من المعادلة الاقتصادية في ظل الحالة الحربية ويكتسب هذا الاضطراب خطورة مضاعفة بحسب ما يرى الجاك نظرا إلى أن نفط المنطقة وغازها يمثلان نسبة كبيرة من المعروض العالمي الفعلي خاصة في ظل مشكلات الإنتاج في فنزويلا ونيجيريا واستمرار العقوبات على روسيا ما يجعل أي شلل في الخليج كارثة عالمية طويلة المدى ويخلص الجاك إلى أن التحدي الأكبر يكمن في عدم اليقين وغياب الإجابة الواضحة حول مدة الحرب وهو ما يزرع حالة من الرعب في الأسواق التي تكره الغموض وتعجز عن التنبؤ بالمستقبل مرجحا استمرار الهزة الاقتصادية الخليجية ما دام مصير الصراع ومدة استمراره مجهولين يشار إلى أن تقريرا نشرته صحيفة الغارديان رصد تحولا في سلوك شركات التأمين والشحن إذ بدأ عدد من أكبر الشركات الكبرى فعليا بإلغاء تغطية مخاطر الحرب للسفن المتجهة إلى الخليج وممرات هرمز وخليج عمان مع تحديد 5 مارس آذار تاريخ سريان لقرارات وقف التغطية ما يدفع ملاك الناقلات وشركات التجارة إلى تجميد رحلات جديدة أو إعادة تسعيرها بعلاوات حادة ويزيد من تكدس الناقلات قبالة سواحل الإمارات خصوصا قبالة ميناء الفجيرة ويفاقم ذلك من أزمة الميناء بعد حريقه ما يعني أن المخاطر لم تعد قسط تأمين أعلى فقط بل تهديد فعلي لقدرة موانئ مثل الفجيرة وجبل علي ورأس لفان على الحفاظ على تدفقات مستقرة في الأيام المقبلة بحسب تقرير الصحيفة البريطانية كما تقدر مؤسسات بحثية متخصصة في نمذجة الاقتصاد الكلي سيناريو بأن تعطيل صادرات إيران وعرقلة جزء من صادرات الخليج قد يضيف علاوة حرب دائمة على أسعار النفط بما يرفع متوسط الأسعار السنوي ويدفع إلى إعادة رسم موازنات دول الخليج على أساس افتراضات أكثر تقلبا في الإيرادات مع ارتفاع احتمال أن تمتد العدوى إلى قطاعات غير نفطية كالسياحة والخدمات اللوجستية نتيجة تزايد الانطباع العالمي بأن المنطقة دخلت مرحلة مخاطر هيكلية وليست عابرة بحسب تقرير نشره معهد أوكسفورد إيكونوميكس