مخاطر الحرب تحاصر اقتصادات الخليج ضربة متوقعة للاستثمار
56 مشاهدة
مع تحول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات لتطاول منشآت في الكويت وأبوظبي والمنامة بدا أن المشهد يتجاوز مجرد تصعيد أمني عابر إذ تترجم الصواريخ والطائرات المسيرة فورا إلى قفزات في أسعار النفط وتوتر في ممرات الشحن وإعادة تسعير لمخاطر الاستثمار في مجمل اقتصادات الخليج في لحظة كانت فيها الحكومات تراهن على استقرار نسبي لاستكمال برامج التنويع وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وترتبط تأثيرات الحرب على قطاعات دول الخليج الاقتصادية بعاملين هما مدى تأثير الصدمة قصيرة الأجل ومدى المرونة المتوقعة لاقتصادات دول مجلس التعاون في التعاطي معها بحسب تقدير نشرته مجلة ذا بزنس يير المتخصصة في التوقعات الاقتصادية الإقليمية في 17 فبراير شباط الماضي نقلت فيه تحذيرا لخبراء من تراجع مرجح في الاستثمار الأجنبي المباشر بدول الخليج بنسبة 10 20 خلال الربعين الأولين من العام الجاري بسبب ارتفاع معدل التأمين على المخاطر الجيوسياسية ورهن التقدير ذاته النمو المتوقع للقطاع غير النفطي في دول الخليج بنسبة 4 1 على امتداد العام الجاري بشرط رئيسي هو احتواء الاضطرابات الجيوسياسية وهو ما لم يتحقق باشتعال الحرب وفي قطاع السياحة والعقارات يشير تحليل نشرته منصة البحث العقاري بروبرتي سيرش Property Search المعنية بتحليل أسواق العقارات والسياحة في الخليج في 15 فبراير الماضي إلى هبوط حاد متوقع في الوصولات السياحية بنسبة 20 30 في أبوظبي والرياض ودبي على خلفية التحذيرات الأوروبية والأميركية من السفر إلى المنطقة وإغلاقات الرحلات الجوية وهو ما يرجح خبراء لـ العربي الجديد تفاقمه بعد اندلاع الحرب وإعلان دول بينها قطر إغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات المدنية يأتي ذلك مواكبا بحسب التقرير ذاته لترجيح تراجع إيرادات السياحة الخليجية بنحو 15 25 في النصف الأول من العام الجاري وتباطؤ في مبيعات العقارات بنسبة 10 20 بسبب تردد المشترين الأجانب وارتفاع تكاليف الإنشاءات بنسبة 8 12 نتيجة اضطرابات التوريد ما يبطئ من نمو القطاع غير النفطي إلى أقل من 3 إن طال أمد الحرب انتعاشة تجاريةnbsp ومن شأن هذا التدهور أن يقوض ما شهده عام 2025 من تعاف ملحوظ في حجم التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران حيث تصدرت الإمارات العربية المتحدة المشهد بوصفها أكبر شريك تجاري خليجي لطهران ووفقا للبيانات الجمركية الإيرانية فقد بلغت قيمة الواردات الإيرانية من الإمارات حوالي 9 6 مليارات دولار ما يمثل نسبة 15 1 من إجمالي واردات إيران العالمية nbsp وفي المقابل سجل الميزان التجاري بين سلطنة عمان وإيران نموا استثنائيا إذ ارتفع حجم التبادل التجاري من 335 8 مليون ريال عماني في 2023 ليصل إلى 512 1 مليون ريال عماني ما يعادل تقريبا 1 33 مليار دولار بنهاية عام 2024 وبداية 2025 مدفوعا بزيادة الصادرات العمانية بنسبة 69 nbsp أما على صعيد العلاقات السعودية الإيرانية فقد سجلت التجارة غير النفطية نموا تاريخيا بنسبة تجاوزت 6000 لتصل إلى نحو 25 مليون دولار سنويا وهي خطوة أولى ضمن جهود استعادة الروابط الاقتصادية ومع بداية عام 2026 استمر الزخم الاقتصادي رغم التوترات الجيوسياسية حيث أعلنت الجمارك الإيرانية في تقريرها الصادر في يناير كانون الثاني 2026 أن إجمالي التجارة الخارجية للبلاد تجاوز94 1 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الماضية مع بقاء دول الخليج خاصة الإمارات وعمان ضمن قائمة أهم الشركاء التجاريين الخمسة الأوائل وهي انتعاشة يهددها مسار الحرب الجارية ورغم أن بعض دول الخليج مثل السعودية والإمارات تمتلك خطوط أنابيب بديلة لتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز nbsp تظل دول أخرى كالكويت وقطر والبحرين رهينة المسار البحري الوحيد لنقل النفط ما يضع التجارة البينية دول الخليج مع إيران في حالة جمود قسري في انتظار اتضاح الموقف الميداني بحسب ما أورد تقرير نشرته وكالة الأنباء العمانية أمس السبت سيناريو الحرب الراجحnbsp ولما كان السيناريو الذي يرجحه خبراء الطاقة في واشنطن ولندن هو استمرار الضربات المتبادلة بين طرفي الحرب فإن صدمة سعرية حادة في سوق النفط باتت مرجحة ليس بسبب تهديد جزء من إنتاج السعودية والكويت والإمارات بل أيضا بسبب هشاشة مسارات العبور البحرية إذا توسع استهداف الموانئ ومحطات التسييل والأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز بحسب تقدير استشرفه مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا في 29 يناير الماضي nbsp ورغم أن الأسواق حاليا توصف بحسب التقدير ذاته بأنها مزودة جيدا بالمخزونات ما قد يخفف جزئيا من طول أمد الصدمة لكن ذلك لا يمنع قفزة أسعار النفط إلى نطاق يراوح بين 80 و100 دولار للبرميل في حال تعطل 20 إلى 30 من صادرات الخليج خلال أسابيع قليلة في هذه الحالة لا تبدو التداعيات المالية على الموازنات الخليجية متجانسة فبينما يستفيد المنتجون الكبار السعودية تحديدا من ارتفاع الأسعار على المدى القصير يحذر محللون في بنوك استثمار غربية من أن اتساع رقعة الحرب قد يفرض كلفة تمويل أعلى على حكومات المنطقة إذ تشير تقديرات مصرفية غربية نقلها التقدير نفسه إلى أن كل تحرك بمقدار عشرة دولارات في سعر البرميل يمكن أن يغير عجز موازنات دول مجلس التعاون بنحو 2 من الناتج الاجمالي مع احتمال تجاوز احتياجات الاقتراض التراكمي 300 مليار دولار إذا ترافق أي هبوط لاحق للأسعار مع استمرار الاضطراب الأمني ما ينعكس مباشرة على شهية المستثمرين الأجانب للاكتتاب في السندات وإصدارات الدين وفي المقابل تشير تقييمات مؤسسات استشارية أوروبية إلى أن دول الخليج تدخل هذه الأزمة بقدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بجولات توتر سابقة نتيجة تراكم الاحتياطيات وتقدم خطط الإصلاح المالي وتحديث البنى القانونية الخاصة بالاستثمار حيث تؤكد دراسة صادرة عن مكتب المحاماة الدولي آلن آند أوفري Allen amp Overy في 25 فبراير الماضي أن مرونة الأنظمة القانونية ومركزية صنع القرار تتيح للرياض وأبوظبي والكويت إعادة توجيه الإنفاق بسرعة نحو حماية سلاسل الإمداد وتسريع مشاريع الطاقة المتجددة والاستثمار في شبكات نقل الكهرباء والتخزين بما يجعل ملف أمن الطاقة جزءا لا يتجزأ من استراتيجية الانتقال الطاقي حتى في ذروة المواجهة العسكرية وعلى مستوى التجارة والاستثمار غير النفطي تسلط مراكز أبحاث غربية الضوء على أن استجابة العواصم الخليجية للحرب لن تقتصر على حماية الحقول والموانئ بل ستمتد إلى إعادة رسم شبكات التبادل التجاري وتوزيع المخاطر الجغرافية ولذا أوصى تقدير لمجلس الشرق الأوسط التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بزيادة الاعتماد على سلاسل توريد بديلة وتعميق الشراكات مع آسيا وأفريقيا وتعزيز التكامل داخل مجلس التعاون الخليجي عبر تنسيق السياسات الصناعية واللوجستية باعتبار ان تنويع الشركاء والقطاعات هو خط الدفاع الاقتصادي الأكثر استدامة في بيئة إقليمية مرشحة لمزيد من التفكك والصدمات سر حروب العطلةnbsp وفي هذا الإطار يشير الخبير في الاقتصاد السياسي رائد المصري لـ العربي الجديد إلى أن الولايات المتحدة تعمد دائما إلى شن حروبها في المنطقة خلال عطلة نهاية الأسبوع السبت والأحد لتجنب حدوث صدمة فورية في أسواق البورصات العالمية وأسعار النفط ما يمنح الأسواق مهلة لامتصاص الصدمة قبل افتتاح التداول ولذا سيبقى تأثير الحرب على أسواق الطاقة محدودا في الأيام الأولى بينما سيتحول إلى تهديد حقيقي بحدوث اضطراب عالمي في حال استمرار الحرب لأسابيع وهو سيناريو من شأنه أن يعطل سلاسل التوريد ويؤثر بشكل جذري على العرض والطلب العالمي على النفط والغاز كما يحذر المصري من تداعيات التمديد الزمني للصراع على استقرار الأسواق لافتا إلى أن المنطقة التي تدور فيها المواجهات الحربية تكتسب أهمية جيوسياسية استثنائية لمرور نحو 20 من نفط العالم عبر مضيق هرمز بالإضافة إلى حركة الملاحة الحيوية في باب المندب والبحر الأحمر ما يجعل أي تصعيد يشمل دخول إسرائيل المباشر خطرا داهما على أمن الملاحة العالمي وسلاسل إمداد الطاقة وفي حال فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما سريعا وواجهتا صمودا إيرانيا يؤدي إلى إشعال جبهات متعددة من اليمن إلى العراق ولبنان فإن المنطقة برمتها ستدخل في دوامة اضطراب قد تدفع أسعار النفط للارتفاع إلى مستويات قياسية تصل إلى 200 دولار للبرميل بحسب تقدير المصري الذي وصف هذا السيناريو بأنه بالغ الخطورة إذ ينذر بخروج الأمور على السيطرة وتعميم الصراع وعليه يرى المصري أنه يتعين على دول الخليج التعاطي بحكمة بالغة لإدارة أسواق العرض والطلب ومنع حدوث صدامات أو ارتفاعات جنونية في الأسعار وهذا سيكون رهنا بالرؤية الأميركية لمسار الحرب وطريقة تفاعلها مع التدخل الإسرائيلي المتصاعد ما قد يعيد تشكيل الاستقطابات الإقليمية ويقلب المعادلات التي سعت واشنطن وتل أبيب لترسيخها منذ طوفان الأقصى قفزة نفط انفجاريةnbsp وفي السياق تشير الخبيرة المصرية المختصة بالشأن الإيراني د شيماء المرسي لـ العربي الجديد إلى أن التوقعات تصب في ترجيح أن تشهد أسعار النفط خاصة خام برنت قفزة انفجارية قد تتجاوز حاجز 120 إلى 150 دولارا للبرميل ليس نتيجة لنقص الإمدادات فحسب بل بسبب تصاعد مستوى المخاطر القصوى الذي حول منشآت النفط الخليجية والممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب إلى أهداف محتملة للضربات الإيرانية ويتزامن مع ذلك إعلان جماعة الحوثي استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر بالتوازي مع الضربات الإيرانية على القواعد الأميركية في دول الخليج ما سيؤدي بحسب ترجيح المرسي إلى ارتفاع جنوني في تكاليف الشحن والتأمين البحري بنسبة قد تصل إلى 300 وقد تدفع شركات التأمين العالمية الكبرى مثل لويدز لندن إلى تصنيف المنطقة بأكملها منطقة حرب محظورة وهو إجراء يعني عمليا وقف حركة الناقلات تماما وليس مجرد رفع تكلفتها وعلى الصعيد العالمي من شأن أي تأخير في سلاسل الإمداد أن ينعكس بشكل فوري على ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات في واشنطن والعواصم الأوروبية ما يضع الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب أمام حسابات اقتصادية مريرة ومعقدة بحسب المرسي وفي مواجهة هذه التداعيات تتوقع المختصة بالشأن الإيراني أن تعمل دول الخليج وفق استراتيجية دقيقة لإدارة الكارثة عبر مسارين متوازيين الأول يتمثل في طمأنة الأسواق المالية المحلية وتفعيل خطط الطوارئ القصوى لحماية المنشآت النفطية الحيوية بينما يركز الثاني على ممارسة ضغوط دبلوماسية وسياسية قصوى على واشنطن لكبح جماح التصعيد العسكري انطلاقا من قناعة راسخة بأن أمن الطاقة العالمي مرهون باستقرار العواصم الخليجية وأن حربا شاملة ستقود حتما إلى انهيار اقتصادي عالمي يتعذر احتواؤه وتخلص المرسي إلى أن الضربات الإيرانية على العمق الخليجي بالتوازي مع قطع الإنترنت داخل إيران يهدف إلى إنشاء منطقة حظر اقتصادي غير معلنة حيث تراهن طهران على أن التداعيات الاقتصادية ستكون أفتك وأقوى من الضربات الجوية المباشرة وذلك عبر استثمار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز بوصفه أداة ضغط لإجبار الولايات المتحدة على التراجع وطلب التهدئة لإنقاذ ما تبقى من الاستقرار المالي العالمي