محمود شقير في نخب ستة عقود في جنة الكتابة
ثمّة كُتّاب يتعاملون مع الكتابة بوصفها مهنة، وآخرون تتحول الكتابة عندهم إلى طريقة في العيش ورؤية للعالم. بعد أكثر من ستة عقود على بداياته، يبدو محمود شقير أقرب إلى الصنف الثاني، فما زال يكتب بعين من لا يكتفي بما أنجز، وبروح لا تتوقف عن السؤال والتجريب. من هذه الزاوية يمكن قراءة كتابه الكتابة مهنتي... الكتابة حياتي (مكتبة كل شيء، حيفا، 2026)، باعتباره عودة إلى الكتابة بوصفها سيرة متواصلة.
في هذا الكتاب، يحاول شقير (مواليد جبل المكبر في القدس عام 1941) الاقتراب من العلاقة الحميمة التي نشأت بينه وبين الكتابة، حتى أصبحت جزءاً من حياته اليومية. يعود إلى البدايات، ويتوقف عند بعض أعماله القصصية والروائية، ويشرح للقارئ شيئاً من دوافعه في كتابتها، فاتحاً نافذة على ما يمكن تسميته المطبخ الداخلي للنص. والأهم أنه يتحدث عن تجربته بعيداً عن ادعاء امتلاك الحقيقة، فالكتابة، في نظره، تظل فعل تعلّم مستمر، والصدق مع الذات والقارئ شرط أساسي فيها، كما يوضّح.
وتحضر القدس في هذه التجربة حضوراً فاعلاً، بوصفها حاضنة للذاكرة والهوية وملامح الناس والتفاصيل اليومية التي تتسلل إلى القصص والروايات. ومن الصعب فصل شخوص شقير عن هذه المدينة التي عرف أزقّتها وناسها وتحولاتها، خصوصاً أن تجربته الشخصية حملت معها الاعتقال والتعذيب والإبعاد والمنفى. لقد ظلّت القدس، حتى في سنوات الغياب، جزءاً من الذاكرة التي يستعيدها الكاتب عبر السرد، وكأن الكتابة أتاحت له أن يحمل مدينته معه أينما ذهب.
ومن هنا تتصل الكتابة عند شقير بالهمّ الفلسطيني الأوسع. ففي الكتاب يستحضر مأساة الشعوب الأصلية في أميركا، ولا سيما الأزتيك وقائدهم موكتيزوما، مستفيداً من أفكار تزفيتان تودوروف حول العنصرية التي رافقت الغزو الاستعماري وأسهمت في تبرير الإبادة. ثم يصل ذلك بما يجري في قطاع غزّة، فيكتب رسائل إلى موكتيزوما، متوقفاً عند صمته أمام غزو بلاده. وهذه الرسائل تفتح باباً للتأويل، وتدفع القارئ إلى التساؤل عما إذا كان شقير يريد، بصورة رمزية، مساءلة القيادات الفلسطينية والعربية عن الصمت والعجز في مواجهة المأساة.
ينفي التطابق المباشر بين سيرته
ارسال الخبر الى: