محمد عبد المطلب كأن كل أغنية موجهة إلى شخص بعينه
في سجل الغناء العربي المعاصر، يطل اسم محمد عبد المطلب باعتباره أحد أشهر مطربي عصر الإذاعة، بعد أن استطاع ترسيخ صوته وأدائه بحضور طاغ في الوجدان الجمعي مصرياً وعربياً، من خلال تجربة تأخذ موقعها المتميز في مصافّ التجارب التي جعلت من الغناء الشعبي فناً قادراً على مخاطبة فئات مختلفة الأذواق، ممن ينتمي أكثرهم إلى النخبة القاهرية المتحكمة في وضع القواعد والأوصاف التي تجعل من نمط أدائي غناء راقياً، وتجعل من نمط آخر غناء هابطاً، وتحكم على ثالث بأنه مديني عام، وعلى رابع بأنه شعبي فئوي.
كان اختراق محمد عبد المطلب لهذه الفئة، وإقناعها بصوته وأدائه، ونيل اعترافها بأصالته أهم إنجاز حققه الرجل في خلال سنوات قليلة من ظهوره على الساحة الغنائية، معتمداً على أسلوبه الغنائي المبني على تعامل بالغ الخصوصية مع اللغة المحكية في القاهرة باعتبارها أداة موسيقية بذاتها؛ فإنتاج الكلمات في أداء عبد المطلب يشبه قطرات المياه المنفصلة: اقتصاد في المدود، وضبط لمواضع التشديد، وإيثار للوضوح على الاستعراض، مع قرار ممتلئ لا يتراخى، وجواب لا يتورط في الحِدَّة الجافة، المؤذية -حينها- لأذن المستمع المديني.
في غناء عبد المطلب، يقترب مقام الغناء من مقام الكلام، ويبدو الرجل وكأنه يتحدث، ثم يترقى تدريجياً إلى الطرب على طريقته المعهودة. تميز غناء عبد المطلب دوماً بنظافة اللفظ. حرفه واضح ومُشهر، والحركة تُؤدى كاملة، والكسرة والفتحة والضمة تخرج سافرة بعد تعرضها لضغط شديد يستهدف إبرازها ووضوحها. يبني محمد عبد المطلب أغلب جمله على وحدات قصيرة، تتوالى غنائياً متماهية مع الإيقاع، مع لمسات قصيرة من العُرب، وعودة سريعة إلى الأصل النغميّ.
ينتمي عبد المطلب إلى جيلٍ خبر المسرح الحيّ قبل أن يتمرس بالغناء أمام الميكروفون، الذي تتعدى مكاسبه تضخيم الصوت إلى إظهار تفاصيل مهمة: همسة محسوبة، وقرب صوتي من الأذن، ونقاء في الحروف اللثوية والشفوية. لكن الخبرة المسرحية لها فوائدها الغنائية أيضاً، وقد حاز عبد المطلب من هذه الفوائد قدرة الحفاظ على ديناميكية الأداء حتى داخل استوديو، فكل لازمة وجملة تأتي كأنها موجهة إلى شخصٍ
ارسال الخبر الى: