متحف ديل برادو اختصار العالم على هذه الجدران

84 مشاهدة
يكاد أي زائر سبق له أن زار متحف ديل برادو Museo del Prado في مدريد أن يعرف أنه اقترب من بوابته الرئيسية حين يسمع عزف أوتار غيتار إسباني تتموج في المكان فعند البوابة لطالما كان إيدغار موفات جالسا على مقعد حجري يعزف شيئا شبيها بما صار يعرف على مر السنوات بـالمعزوفة الرسمية للمتحف اليوم عازف الغيتار ليس موجودا الطقس مجنون في مدريد والمطر والريح من كل صوب ربما كان حظي سعيدا أو ربما تعيسا فالزوار قليلون هذا اليوم نسبيا والفسحة الموجودة أمام صرح المتحف التي دائما ما تكون مكتظة تبدو إلى حد ما غير مزدحمة لا بد أن السبب في الطقس فالعاصفة كرستين يبدو أنها مغرمة بمدريد ولا تريد أن تفارقها هو ازدحام على كل حال دفع مدير المتحف ميغيل فاليرمو مطلع العام الحالي إلى القول لا يحتاج المتحف إلى زائر واحد محذرا من أن النجاح الجماهيري قد يتحول إلى عبء كما حدث في متاحف كبرى مثل اللوفر وغيرها حيث يزداد الاكتظاظ إلى حد يؤثر على تجربة التأمل والفن صحيح أن المتحف في عام 2025 قد سجل للمرة الثالثة على التوالي أفضل رقم قياسي بعدد زوار وصل إلى 3 5 ملايين زائر إلا أن إدارة متحف ديل برادو تبدو عازمة على ألا يكون الدخول إليه شبيها بصعود المترو في ساعة الذروة الطابور مع هذا كله ليس قصيرا ولا بد من الوقوف والانتظار المطر جميل والطقس بارد واللون رمادي في الخارج معظم الواقفين بانتظار لحظة الدخول مشغولون بعضهم يلتقط صورا للواجهة وللمكان وبعضهم يراجع خرائط الزيارة كأن المتحف يبدأ بالنسبة إليهم قبل الدخول من شاشة صغيرة مضاءة ليس الوقوف في الطابور أمام بوابة جيرونيموس مجرد انتظار للحظة الدخول هو لحظة معلقة بين عالمين في الخارج عالم سياحي يتحرك مقاه شوارع مصقولة قمصان كرة قدم كنائس مدريد برشلونة غران فيا متحف ديل برادو الغرنيكا الرينا صوفيا كأن العالم يمكن اختصاره في فرق وألوان في أسماء لامعة في شعارات سهلة في فيديوهات على تيك توك وصور على إنستغرام في الداخل عالم مختلف تاريخ ذاكرة زيت وألوان تماثيل ولوحات صيغت قبل أن تخترع فكرة السياحة نفسها هذا التوازن الدقيق بين ما هو معروض وما ينبغي حمايته بين فتح الأبواب على مصراعيها وبين الحفاظ على معنى الزيارة لم يطرح جديا في إسبانيا إلا أخيرا لسنوات كان نجاح المتاحف يقاس بالأرقام وحدها عدد الزوار الطوابير الطويلة الصور الأكثر انتشارا لم يفكر أحد فعليا في السؤال الأصعب كيف يدخل المرء من الخارج بكل فوضاه السياحية إلى الداخل حيث يفترض أن يبدأ زمن آخر وكيف يمكن لمتحف وطني مفتوح على العالم أن يحافظ على هذا العبور بوصفه تجربة وليس مجرد حركة مرور مدير متحف ديل برادو لم يكشف عن تفاصيل جديدة رغم تصريحاته التي أثارت السجال في الإدارة يتحدثون عن مجموعة من المتغيرات بدلا من فرض حلول متسرعة من بينها تحسين استخدام مساحة تتجاوز 70 ألف متر مربع ستتوسع ابتداء من عام 2028 مع افتتاح صالون الممالك المشروع المعماري الذي يصممه البريطاني نورمان فوستر بالتعاون مع الإسباني كارلوس روبيو وسيضيف نحو 2500 متر مربع جديدة للعرض بجوار مجمع كاسون دل بون ريتيرو يبدو إذا أن المسألة ليست في إضافة لوحات إنها رؤية جديدة قائمة على إعادة توزيع النظر والحركة والزمن داخل المتحف نعم أنا في الداخل الآن ولون البهو القرمزي حيث يسرع الموظفون كي يقولوا لنا ممنوع التصوير بدءا من الآن يتناقض مع لون الخارج الرمادي إنه ديل برادو يفتح ذراعيه لمن يريد أن يدخل عوالمه في الداخل يتغير الإيقاع على الفور لا ضجيج للشارع هنا لا كاميرات لا هواتف مرئية همس متعدد اللغات الألمانية والإنكليزية الأكثر حضورا والفرنسية لا همس بالعربية إلا ذلك الذي يرن في رأسي ويذكرني لقد تأخرت في كتابة هذا المقال سرعان ما تختفي الحشود وسرعان ما يتضح أن الازدحام في متحف ديل برادو ليس متساويا يتجمع ويتكاثف ويتبدد وخريطة الازدحام هذه عموما ما ترتبط بدوافع الزيارة نفسها إلى المتحف فهناك من جاء لأنه في مدريد وكأن زيارة ديل برادو بند إلزامي في رحلته هؤلاء يتحركون في خطى سريعة بين القاعات والصالات هم شباب في الأغلب يحدقون في الخريطة أكثر مما يحدقون في اللوحات نظرة سريعة على كل لوحة تأدية واجب سياحي لا أكثر لكنهم يعرفون جيدا أماكن اللوحات الشهيرة لاس مينيناس لبلاسكيث لوحات غويا وفرا أنجيلكو وتيزانو ورافائيل وغيرهم وهناك من جاء بغرض الرؤية والتأمل وقضاء يوم كامل وهناك من جاء لأجل الدراسة وبعضهم مثلي أنا لأجل الكتابة عن الزيارة نفسها تعددت الأسباب والمتحف واحد تحديدا في القاعات الكبرى التي تستضيف أيقونات المتحف في صالة بيلاسكيث حيث لاس مينيناس وفي صالة البوسكو حيث رائعة هيرونيموس بوش حديقة المباهج الأرضية وفي صالة غويا حيث روائعه السوداء وعمله الأيقوني الثالث من مايو يتخذ هذا التفاوت في الزوار شكلا محسوسا إذ تتلامس الأجساد لاإراديا وتميل الرؤوس إلى اليمين أو إلى اليسار هناك يتوجس موظفو المتحف من كل من يحمل كاميرا أو من يضع يده في جيبه كي يخرج هاتفه كأنه سيخرج مسدسا تحديدا هنا في هذه القاعات الكبرى حيث لا يبدو متحف ديل برادو مكانا للتأمل ولا يمكن أن يكون لا مكانا وفق تعبير الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه يمكن للمرء فهم تصريحات مدير المتحف هذه الصالات حقا تحول المتحف إلى طرق سريعة إلى متحلق فائق السرعة فلا إشارات مرور للوقوف الضوء دائما أخضر وحركة المرور تواكب عصر الذكاء الاصطناعي رجل أربعيني إلى جانبي يهمس في أذن صديقه هيا بنا إلى القاعة المجاورة هناك حديقة الملذات للبوسكو سوزانا جاءت من ملقة كانت قد قالت لي إنها المرة الأولى التي تأتي مع ولديها إلى المتحف لكنهما سرعان ما ضجرا وراحا يلعبان في الأروقة والممرات أما أنا فطبيعة الحال لست خبيرة بالفن ولكن أحب أن أرى اللوحات الشهيرة ولكن لا يمكن التقاط الصور nbsp في الصالة المجاورة صالة القرن التاسع عشر أو في الصالات المتصلة بها مثل بعض صالات الفن الإيطالي أو صالات الرسم الفلمنكي حيث لا لوحات معروفة يتنقل البصر بطيئا على طبق الواقع اللوحات في هذه الصالات صديقة الصمت العيون كرز أسود والخطوات غبار أتذكر المعري وغبار الوجود وأسأل بصوت هامس لمن متحف ديل برادو سؤالي الذي لم يسمعه أحد لا يبدو غريبا على إدارة المتحف هو حاضر وإن بصيغة أخرى في الطريقة التي يعاد فيها ترتيب المسارات وفي التشدد الذي يحيط بالتصوير وفي القلق الظاهر على وجوه الموظفين كأن ديل برادو في السنوات الأخيرة بدأ يخشى من نفسه عليها من نجاحه من هذا الامتلاء الذي يهدد بتحويل اللوحات إلى علامات طريق إلى لقطات عابرة لا إلى عوالم فنية ربما ضمن هذا الإطار يمكن فهم معرض ديل برادو القرن الحادي والعشرون المزمعة إقامته بين يونيو حزيران وسبتمبر أيلول المقبلين بوصفه محاولة إصغاء المتحف لنفسه طويلا فليس المعرض احتفالا بإنجازاته إنه تمرين على الوعي بالثقل الذي صار يحمله انطلاقا من هذا الوعي تتحدث الإدارة عن مبادرات جديدة من دون إفراط في الشرح ديل برادو ليلا مرة واحدة في الشهر بأعداد محدودة والانتقال التدريجي إلى المعارض الموضوعية بدل المعارض الفردية وإعادة النظر في أحجام مجموعات الزيارة وتنظيم المداخل تفاديا لتكدس الطوابير إجراءات تبدو معقولة بل ضرورية لكنها لا تمس جوهر المعضلة المشكلة الأعمق تبقى في مكان آخر في الزائر نفسه لا يريد فاليرمو أن يصل ديل برادو إلى الانهيار الذي رأته باريس في لوفرها بسبب الاكتظاظ وهذا يعكس فهما عميقا لمأزق المتاحف الكبرى فالنجاح الجماهيري يمكن أن يضر بتجربة النظر والتأمل ضمن هذا المعنى لا يبدو ديل برادو مختلفا عن اللوفر الذي يستقبل نحو 30 ألف زائر يوميا أو المتحف البريطاني الذي يستقبل ما يقرب من 20 ألفا يوميا أو غيرهما من المتاحف العالمية المعضلة الأعمق ليست في تنظيم الحشود أو في قيود التصوير أو غيرها من الإجراءات التي لن تغير من جوهر القضية قلت إن المعضلة هي في حرية الزائر نفسه والآن صرت متأكدا هو من يقرر كم سيبقى وأين سيتوقف وماذا سيهمل وهو من يختار في الغالب الأعمال الأيقونية وحدها تاركا ما عداها في ظلال القاعات الأقل ازدحاما كيف يمكن لمتحف ديل برادو أن يوجه النظر من دون أن يفرضه كيف يمكنه أن يوسع فضول الزائر من دون أن يحول التجربة إلى درس إجباري حتى الآن لا إجابات حاسمة هناك وعي بالمشكلة ومحاولات لتطويقها لكن السؤال ما زال مفتوحا يتردد بين القاعات الأكثر ازدحاما والقاعات حيث يخف الوطء حين أزور متحفا لا أفوت أبدا فرصة المرور على المتجر لأرى أي اللوحات تحول إلى قمصان أو مظلات أو علب أقلام أو قواعد للأكواب قل لي أي تذكار تشتري أقل لك أي لوحة هي الأثمن في المتحف هنا أكثر ما يباع هي القمصان التي طبعت عليها لوحات غويا أو حديقة المباهج الأرضية أو لاس مينيناس تخبرني إحدى البائعات أخرج من الباب نفسه الذي دخلت منه يخطر في بالي أن إدارة متحف ديل برادو ينبغي أن تضع لافتة على بوابته كتب عليها هنا ينتهي الواقع هنا يبدأ الواقع الطقس لا يزال باردا المطر يلامس البشرة المطر يرقص على أكتاف العابرين الطابور لا يزال طويلا لم أكن مرة صديق البرد اقرعي طبول الشمس يا مدريد متحف ديل برادو يحب ريشة الضوء

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح