مات ماشيا

يمنات
بسام اليادعي
في بلدٍ انتهكت الحروب كل شبرٍ فيه، وأعلنت الأزمات حربها على كل من يحاول أن يعيش، ملايين البشر يواجهون مصيرهم بصمت، ويعلنون الحداد على أنفسهم أحياء. لكل واحدٍ من هؤلاء الناس آمالٌ كانت يومًا قريبة، وأحلامٌ بدت يومًا في متناول اليد، لكنها أخذت تتراجع رويدًا رويدًا، حتى كادت تتلاشى وتصبح من المستحيلات.
فمن كان بالأمس يحلم ببناء منزله الخاص، صار اليوم يحلم بأن يوفر إيجار شقته المهترئة. ومن كان يحلم باقتناء أفخر السيارات، صار يحلم بأجرة الباص العام ليصل إلى مقر عمله. ومن كان يحلم بزيارة بلدانٍ عدة سائحًا متنزهًا، صار لا يقوى على زيارة قريبٍ له لا يبعد كثيرًا، لكن المسافة أصبحت أثقل من أن تُقطع. ومن كان، ومن كان، ومن كان… والقائمة تطول.
ألا يدرك الحكام أن لهذا الإنسان كرامة؟ وأن لماء وجهه الذي أراقه مرارًا، (تهربًا من صاحب دين، أو خجلًا من وعدٍ لم يستطع الوفاء به)، ثمنًا لا يُحتمل؟ ألا يعلمون أن للصبر حدودًا، وأن القلوب إذا أُنهكت لم تعد تقوى على الاحتمال؟ ألا يشعرون أنهم مسؤولون أمام الله عن كل ما يمر به هذا الشعب؟
في أحد شوارع المدينة، رأيت رجلًا في الأربعين من عمره يخرُّ مغشيًا عليه. حاول المارة إسعافه سريعًا، وسعوا إلى استئجار سيارة أجرة لنقله إلى المستشفى، لكن أمر الله كان أسرع مما يتخيله بشر، وفاضت روحه إلى بارئها.
رأيت أحد المتجمعين يبكي، فاقتربت منه لأسأله إن كان يعرفه، فأجاب: نعم. قال إن المتوفى كان يعمل أستاذًا في إحدى المدارس الحكومية، ثم جار عليه الزمن مع انقطاع المرتبات وغلاء المعيشة، ولم يعد قادرًا على سداد إيجار شقته، التي لا يتجاوز إيجارها مائة دولار أمريكي.
خرج المتوفى من بيته باحثًا عمّن يقرضه أي مبلغٍ من المال ليسدد ما عليه من إيجاراتٍ متراكمة. ويُقال إن صاحب المنزل منحه مهلة أقصاها أسبوع ليدفع ما عليه، أو يخرج بأولاده إلى الشارع.
ولم يتبقَّ من المهلة سوى يومين، ولم يكن قد جمع سوى خمسين
ارسال الخبر الى: