في 19 من فبراير شباط الماضي شاركت أوساط الموسيقى الكلاسيكية الغربية المؤلف الهنغاري غيورغي كورتاغ György Kurtág الاحتفال بعيد ميلاده الـ100 ليكون من بين القلة المحظوظين ليس لكونه عمر طويلا ونال قسطا وافرا من الحياة فقط وإنما أيضا لأنه قد عاش ليحظى بالتقدير والتكريم في حياته وذلك على الرغم من أن الاعتراف به علامة فارقة في الموسيقى المعاصرة قد جاء متأخرا لا سيما خارج بلده حيث ظل يقيم خلال الحقبة الشيوعية والحرب الباردة في حين فر معظم زملائه جهة الغرب الليبرالي إذ تلقفتهم مؤسساته السياسية والثقافية واحتضنت رؤاهم الطليعية التي قمعتها دول المعسكر الاشتراكي وحتى حينما دعي إلى ألمانيا الغربية في سابقة كانت الأولى على الصعيد الشخصي ليشارك في ورشة عمل حول الموسيقى الحديثة سنة 1968 في مدينة دارمشتات معقل الطليعيين الأوروبيين حجب حضوره الضوء الذي سلط على الطليعي الأكثر شهرة حينذاك الألماني كارل هاينز شتوكهاوزن 1928 2007 وإلى جانب بقائه في هنغاريا بدلا من الالتحاق بنعيم المنفى الليبرالي ثمة عوامل أخرى خلف احتجابه من بينها قصر مقطوعاته ومينيماليتها المفرطة ما جعلها عصية على الإدراج ضمن برامج الحفلات للفرق الموسيقية الكبرى وعليه غير مطابقة للمواصفات التسويقية اللازمة لدخول سوق المهرجانات والتسجيلات الضيق أصلا أضف إلى ذلك عزوفه خلافا لنظرائه الطليعيين في الغرب عن الانخراط في الأبحاث التي راجت خلال فترة ما بعد الحربين العالميتين واستحصلت على دعم وتمويل شركات الصناعة الإلكترونية حول سبل الدمج الموسيقي بين الصوت المولد كهربائيا والصوت المحدث فيزيائيا Electroacoustic ولعل الأكثر خصوصية وندرة من بين عوامل الاحتجاب تلك يكمن في مدى عمق الصلة التي تجمع غيورغي كورتاغ والموسيقى وهي صلة لا تقف عند حد ارتباطه بوسيط فني للتعبير وإنما تتجاوزه لتكون أشبه بجواز سفر يعبر به وبالمستمع إلى كون مواز فتبدو موسيقاه تجليا سمعيا للغيب ولعل الهاجس الروحي ذاك ما جعل منه أسير نمط حياة صوفي إذ لم يهرع خلف الأضواء والثراء ولم يتبع نهجا جماليا يتملق النظام السياسي القائم في بلده كما لم يستمل عبر المواكبة الاستعراضية لأغرب الشطحات الطليعية الجهات الغربية الراعية وإنما سخر الحياة في سبيل سبر استبطاني لأنماط تشكيل صوتي تتجاوز الحياة ولأجل البقاء على قيد الحياة وفي الوقت نفسه الإبقاء على جذوة التجاوز متقدة والسفر بالصوت إلى عمق التجربة الإنسانية ظل لزاما عليه تأمين المعيشة خارج إطار نشاط التأليف تنزيها لموسيقاه عن مساومات السوق ومحاباة ذائقة العامة والخضوع للمعايير التمويلية وقد شكلت تلك المسألة على الدوام معضلة وجودية لدى كل فنان مفطور على الهجس بالغيب إذ يروى أن شيوخ التصوف في العصور الإسلامية الوسطى اعتادوا لدى سؤال المريد عن أولى الخطى على الطريق أن يرشدوه أولا إلى ضرورة تعلم مهنة يكسب منها الرزق وكان أكثرها شيوعا بين المتصوفة الوراقة أي نسخ الكتب باليد قبل اختراع الطباعة وكحال كثير من المفكرين والفنانين والمؤلفين النخبويين خصوصا وجد كورتاغ ضالته في امتهان التدريس فقد انضم مبكرا إلى كوادر أكاديمية فرانز ليست الموسيقية في بودابست بداية مدرب جوقات ثم أستاذا في التأليف وموسيقى الحجرة وهكذا عرف حتى منتصف الخمسينيات من عمره مربيا موسيقيا أكثر منه مؤلفا أما اليوم وبأثر رجعي فينظر إلى سيرته على امتداد قرن من الزمان بوصفها نموذجا في حسن دمج الوظيفة التربوية بالممارسة الإبداعية في شخصية فنية مستقلة فلا يتوازى فيها الجانبان فحسب وإنما يتقاطعان وفي معظم الأحيان يتكاملان فيثري كل منهما الآخر وحينما سئل عن الأمر ذات مرة أجاب قائلا أنا أفهم الموسيقى حين أعلمها وفي سمة عامة يشترك كورتاغ فيها مع الصوفي صهرت شخصيته في داخلها تناقضا بين الولاء التام للنص الموروث وفي الوقت نفسه الجرأة والشجاعة على البراء منه بإبداع موسيقى لا تشبه غيرها فقد حض كورتاغ المدرس طلابه على بذل كل جهد متاح في فهم المدونة الموسيقية واكتناه رموزها وإشاراتها الأدائية حتى وصف طلابه أسلوبه بالصارم والناهي والمحجم عن منح المؤدي أي حق في الخروج عن روحية النص المتمثل بالمخطوط الأصلي الذي تركه المؤلف Urtext أما غيورغي كورتاغ المؤلف فخلاق متفرد في مقطوعاته الموسيقية مقدام في خياراته الفنية وإن لعب نزوعه المغالي إلى الدراسة والتمحيص الذي نقله إلى تلامذته دورا جليا في صياغة موسيقاه وذلك من خلال الكثافة الشديدة في شحنتها التعبيرية والمتانة في تراكيبها التلحينية والتوزيعية الأمر الذي يجعل كل نغمة منها سواء أكانت بمفردها أم مجتمعة في ائتلاف نغمي تسمع مثل إشراقة تتألق في سرمد الصمت يروي قائد الأوركسترا الهنغاري أندرياس كيلر عن أستاذه حينما كان طالبا عمره 16 عاما في أكاديمية فرانز ليست أنه كان يحرضه على التعامل مع صوت كل نوته بمثابة حدث في حياته وعليه أن يبذل كل ما لديه من أجلها كما لو أنها مولود جديد يأتي إلى العالم ومع بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي بدأ اسم غيورغي كورتاغ يتردد بوصفه مؤلفا لافتا بين أوساط الموسيقى الكلاسيكية الغربية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة ومع حلول التسعينيات ازداد اسمه تألقا وصار يدعى باستمرار إلى محافل الموسيقى من مهرجانات وورش عمل وبرامج إقامة فنية حتى باتت أعماله تؤدى بتواتر في كبريات الصالات وتحصد أهم الجوائز وفي سنة 1986 وأمام تبلور مسيرته التأليفية بما يكفي لسد حاجات الحياة تقدم بإحالته إلى التقاعد من وظيفة التدريس بغية التفرغ لكتابة الموسيقى إلا أنه طلب من مدير أكاديمية فرانز ليست أن يستمر بإعطاء حصة أسبوعية من دون مقابل وهكذا ما زال غيورغي كورتاغ إلى اليوم يرشد طلابه إلى طريق يلجون بها المدونة الموسيقية فيتمكنون بحسب تعبير زوجته من إضاءة الموسيقى من الداخل