مأزق العقل المؤسسي في التجربة الفلسطينية

40 مشاهدة

التفكير أبرز ما يميز الوجود الإنساني، إذ يسبق الفعل كالحمل الذي تتلوه الولادة، ويبقى مرتبطاً به ارتباط الجوهر بالأثر. فعندما يسبق التفكير الفعل، ينير الطريق ويساعد على تناغم الوسيلة مع الهدف، وعلى التوفيق بين الممكن والمأمول. إنها لحظة وعي تمهّد للحركة وتنقّي الدوافع من اندفاع فج، وتفتح آفاقاً للفعل المتبصّر. أما التفكير بعد الفعل، فهو مرآةٌ نرى فيها انعكاس أثر ما فعلناه، ونقارن بين ما أردناه وما تحقق، وبين الممكن والمتاح. من هنا، يصبح التفكير أكثر من مجرّد تمرين ذهني؛ إنه أداة لإعادة تشكيل الفعل، وتحديث الرؤية، ولمنح الممارسة معناها.

التفكير فعلٌ تأمليٌّ بطبيعته، يقوم على التروّي والبصيرة، ويتناقض تماماً مع منطق الـفيزا كارد الذي تجسّده عبارة اشترِ الآن وادفع لاحقاً، حيث يقدّم الفعل على الإدراك، ويؤجّل الثمن كما لو أن العواقب يمكن تجاهلها. في هذا النمط، تُختزل القرارات إلى ردات فعل سريعة، منفصلة عن تخطيطٍ بعيد المدى، ويستبدل الوعي بالنتائج باندفاع لحظي يفتقر إلى مساءلة. هذا يحوّل الفعل إلى لحظة عمياء، تنقطع عن أدوات التقدير والتوازن، وتُقصي التفكير عن مهمته حارساً للنيات ومرشداً للممارسة.

عند تناول التجربة الفلسطينية من هذه الزاوية، نواجه مفارقة مؤلمة، ففي 1993، حين قرّرت القيادة الفلسطينية الانخراط في مسار أوسلو، لم يكن القرار ثمرة نقاش معمّق، بل مقامرة سياسية قائمة على التجريب: لنمض في هذا الطريق، ثم نرى ما سيحدُث! لم تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الاتفاق، ولم يحلّل بنيانه أو تبعاته بعيدة المدى. سيطرت الذهنية الظرفية وغابت الرؤية العميقة، فسبق الفعل التفكير، وتقدّمت المغامرة على التدقيق التاريخي، ما جعل المشروع خالياً من أدوات التقدير والمراجعة منذ البداية.

تمدّدت شروخ أوسلو تدريجيا، وانفجرت تبعاتها في وجه الجميع، ليس فقط بسبب تعنّت الطرف الإسرائيلي وتنصّله من التزاماته، بل أيضاً نتيجة افتقار البنية الفلسطينية إلى عقل مؤسّساتي قادر على الاستشراف وإدارة المتغيّرات بحكمة. رغم مرور أكثر من 30 عاما، ظلّ المشهد الفلسطيني أسير الذهنية نفسها: ضيق الأفق، آنية التقدير، مثقل بالمراهنات المرتجلة، وعاجز عن بناء تقاليد تفكير

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح