ليونورا كارينغتون الخرافة في مخدع السوريالية

46 مشاهدة
ابتكرت الفنانة البريطانية المكسيكية ليونورا كارينغتون خلال علاجها في مصح نفسي بإسبانيا عام 1940 شخصيات أسطورية ستظهر في أعمالها اللاحقة كائنات نصف بشرية ونصف حيوانية تعيش في عالم سفلي واحد هيمن عليها الشكل الأنثوي دون ربط بطروحات فرويد مثلما فعل أقرانها من الفنانين السورياليين في قراءة جديدة لتجربتها التي امتدت لأكثر من ستة عقود يتواصل حتى التاسع عشر من يوليو تموز المقبل في متحف لوكسمبورغ بباريس المعرض الاستعادي لكارينغتون الذي افتتح الخميس الماضي ويضم نحو 126 عملا تراوح بين لوحات مائية وزيتية ورسومات ومنحوتات تمزج بين الميثولوجيا والحلم والتجربة الشخصية في بناء رمزي كثيف يفتتح مسار المعرض بأعمال أنجزتها الفنانة في سن الخامسة عشرة خلال إقامتها في فلورنسا تبرز من بينها سلسلة اللوحات المائية شقيقات القمر التي تظهر مهارة تقنية لافتة وانجذابا مبكرا إلى العوالم الأسطورية حيث تتحرك ساحرات وعرافات وتنانين وكائنات خرافية في فضاءات مشغولة بدقة ويتبدى تأثير رسومات عصر النهضة في ضبط الخطوط والعناية بالتفاصيل وهو أثر سيظل حاضرا طوال مسيرتها وبالعبور إلى المرحلة الفرنسية من تجربتها في أواخر الثلاثينيات حين ارتبطت بالحركة السريالية وبعلاقة عاطفية وفنية مع الفنان الألماني ماكس إرنست يجد المتلقي نفسه أمام أعمال يتجلى فيها العجائبي عبر تداخل الإنساني بالحيواني حيث تتحول الوجوه إلى أقنعة أو رؤوس هجينة في تبلور مبكر لثيمة الإنسان الحيوان التي ستغدو إحدى ثوابتها البصرية تأثرت الفنانة بأساطير السكان الأصليين في المكسيك وحكاياتهم nbsp ويستعيد المعرض تجربة المنزل الذي أقامته مع إرنست في سان مارتان داردش عام 1938 حيث تختلط اللوحات بالعناصر المعمارية والأبواب والنوافذ ويغدو الحيز المعيشي مختبرا فنيا والجدران حوامل للرسم مثل القماش وفي هذا الفضاء تتكرر صورة المرأة برأس حصان بوصفها قرينا رمزيا للفنانة وسيلازم الحصان أعمالها طويلا في استعارة تعبر عن ذاتها المتمردة غير أن الحرب العالمية الثانية شكلت منعطفا حادا في حياتها ففي لوحة مخدع الحديقة 1941 يظهر سرير زوجي فارغ في فضاء مفتوح على العواصف وشجرة تؤوي ساحرة عارية فيما يلوح شبح إرنست الذي اعتقل خلال الحرب العالمية الثانية ثم انفصلت عنه بعد فترة وجيزة على حصان هزاز طفولي لا يروي المشهد حكاية شخصية فقط بل عالما فقد توازنه وبراءة يهددها العنف مع مسحة من سخرية خفية تمنح الألم طاقة تحويلية مع انتقالها إلى المكسيك عام 1942 اتسعت آفاق تجربتها وازدادت نضجا بتفاعلها مع واقع جديد وبتأثرها بأساطير وحكايات السكان الأصليين الأمر الذي يتجلى في عملها المفصلي Artes 110 حيث تنهض بنية اللوحة على عبور رمزي امرأة بلا جسد واضح المعالم تغادر فضاء مضطربا نحو جزيرة جديدة ينتظرها على ضفتها ثوب غير مكتمل الخلفية اللونية المشبعة والتفاصيل الدقيقة تمنح المشهد طابعا أسطوريا فيما يحضر أثر الحكايات الخرافية في إيماءة وخز الإصبع التي تستدعي سرديات التحول والانبعاث فيما العنوان نفسه يحيل إلى عنوان سكنها في تداخل رمزي بين مكان الإقامة وبداية تشكل هوية جديدة في 1945 قدمت كارينغتون في لوحة إغواءات القديس أنطونيوس قراءة مختلفة لموضوع كلاسيكي فالقديس لا يبدو هنا معذبا أمام الإغواء بل في حالة اتزان وسط كائنات غرائبية تتحرك في فضاء مضيء والمساحات أوسع والعلاقة بين الشخصيات والخلفية أكثر انسجاما ما يعكس انتقالا من كثافة رمزية مغلقة إلى عالم أسطوري أكثر رحابة أما في أعمالها المتأخرة مثل قدرات السيدة فونيسيا 1974 فيحضر البعد الباطني بوضوح إذ باتت الفنانة أكثر استلهاما لرموز التاروت والأساطير السلتية والإشارات الكابالية عبر تكوينات شبه دائرية تتوزع فيها الشخصيات والعلامات كما في مخطوط سري وبات اللون أقل صخبا والخطوط أكثر دقة فيما تكاثرت الرموز الحيوانية والنباتية في شبكة دلالية معقدة ولا يأتي حضور الكائنات الهجينة عند كارينغتون نساء خيول طيور بشرية مخلوقات نصفها إنسان ونصفها الآخر كائن أسطوري من باب الزخرفة الخيالية بل هو جزء من لغة بصرية تعيد تعريف العلاقة بين الجسد والهوية وبين الطبيعة والثقافة حيث النساء لسن موضوعا للنظر بل كاهنات وحارسات معرفة يستعدن صلتهن بالحيوان وبالدورات الكونية في مواجهة تاريخ طويل من التهميش

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح