ليلى شهيد عن العمل والأمل
لم أفهم لماذا عدتُ فورَ سماعي الخبر إلى مقال جان جينيه أربع ساعات في شاتيلا، وأفكّر الآن (بعدما انتهت هذه المرّة محاولاتي كلّها لإنكار رحيل ليلى إلى الفشل) في أنّ ذلك المقال لم يكن عن المجزرة وحدها، بقدر ما كان عن القدرة النادرة لشخصٍ ما على تحويل الشهادة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى موقف، والموقف إلى لغةٍ تُقنع العالم بأن ينظر إلى الألم بوصفه قدَراً إنسانيّاً فادحاً، يجب العمل على تغييره بأقصى ما نستطيع، من يأس ربما وليس من أمل.
لقد عاشت ليلى شهيد في مساحة رمزية معقّدة بين المنفى والهُويّة، بين الدبلوماسية والذاكرة، وبين السياسة والثقافة. كانت شهرتها في باريس وأوروبا نتيجة حضور شخصي كثيف، هادئ ومؤثّر. حضور يتحوّل فيه الإنسان من وظيفةٍ إلى صوت، ومن تمثيلٍ رسمي إلى تمثيلٍ رمزي لقضيةٍ وذاكرةٍ جماعية. كانت تمشي في الفضاء العام كما تمشي القضايا الكبرى؛ محاطةً بالأسئلة وبالأمل وبشيءٍ من الحزن الذي لا يزول. وُلدت في سياقٍ تاريخي لم يكن رحيماً بأحد: تاريخ تشكّلت فيه الهُويّة الفلسطينية عبر الصدمات الكبرى، من النكبة إلى المنفى إلى إعادة بناء السردية الوطنية في الخارج. لكن هذا التاريخ لم يكن مجرّد خلفية لسيرتها، بقدر ما كان عنصراً بنيويّاً في تكوين وعيها السياسي والثقافي. منذ صباها، انخرطت في العمل السياسي، غير أنّ مسارها لم ينغلق داخل القالب الحزبي الضيّق، وإنما اتّسع داخل شبكة من المثقّفين الفلسطينيين والعرب والفرنسيين، أولئك الذين أدركوا مبكّراً، أنّ معركة السرد لا تقلّ أهميةً عن معركة السياسة. هنا تكمن فرادتها التي تُحزنني اليوم أكثر ممّا تُدهشني: كانت تعرف أنّ اللغة جبهة، وأن الثقافة أداة بقاء. علاقتها بالثقافة لم تكن زينةً لخطاب سياسي، وإنما كانت صلب استراتيجيتها في مخاطبة أوروبا بلغتها ومفاهيمها وضميرها. كأنّها فهمت، منذ وقتٍ مبكّر، أنّ المثقّف يمكن أن يكون دبلوماسياً من دون أن يفقد حساسيته، وأن الدبلوماسي يمكن أن يكون مثقّفاً من دون أن يتحوّل إلى بيروقراطي بارد.
في الوعي الأوروبي، خاصّةً خلال التسعينيّات وبداية الألفية، أصبحت من أبرز الأصوات
ارسال الخبر الى: