رحلت الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في أول يوم من شهر رمضان وأول يوم من صيام الأربعين للسيد المسيح عليه السلام وهو يوم لا يعرف دلالاته الروحية سوى من يعيش في القدس بروحه قبل جسده وهي المدينة التي أحبتها شهيد وكانت تمشي في أزقتها وشوارعها في كل زيارة لها لفلسطين وكأن روحها تعيش في المكان ولم تغادره يوما في كواليس وزارة الخارجية الفلسطينية كانت هناك مقولة يعرفها الجيل الأول من الدبلوماسيين ليلى إذا بدها بتحرك جبال كانت لديها هذه الهالة الكبيرة التي تجعلها محط اهتمام في أي مكان تكون فيه ولدت ليلى منيب شهيد في بيروت في يوليو تموز 1949 وبقيت تعرف نفسها في كل لقاءاتها الصحافية بأنها فلسطينية لاجئة في لبنان رغم أن ظرفها الاقتصادي ليس كبقية اللاجئين في المخيمات لكنها تمسكت بهويتها السياسية قبل أن تتحول حياتها إلى مهمة وطنية تحت مسمى مندوبة فلسطين أو سفيرة فلسطين منذ 1993 إلى أن استقالت عام 2013 سيذكر الفلسطينيون أنها أول أمرأة تدخل مع الكاتب الفرنسي جان جينيه إلى ساحة الإبادة في مخيمات صبرا وشاتيلا عام 1982 وتوثق للعالم جثث مئات الضحايا من الأطفال والنساء والرجال الفلسطينيين العزل وسيتذكرها العالم بأنها أول سفيرة فلسطينية في أوروبا وأول من نعى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من مستشفى بيرسي العسكري في فرنسا في 11 نوفمبر تشرين الثاني 2004 لكن ما بين كل هذه العناوين البارزة لليلى شهيد هناك آلاف التفاصيل التي لم توثق عن ليلى شهيد المرأة والدبلوماسية التي كانت تجوب كل عواصم العالم وهي تحمل فلسطين كقضية وطنية وليست مهنة وكرست سنوات عمرها في الدفاع عنها وشرح المظلومية التاريخية التي وقعت على الشعب الفلسطيني واختارت الدبلوماسية الراحلة عدم إنجاب الأطفال لأن حياتها تفتقد للاستقرار فهي دائمة التنقل والسفر وثانيا لأنها تعتبر أن كل أولاد فلسطين هم أولادها الذين لم تنجبهم في أحد لقاءاتها التلفزيونية قالت شهيد كان بودي أن يكون لدي أولاد لكن بنوعية الحياة التي اخترتها سيكون صعبا أن أتحمل مسؤوليات أم أطفال الحجارة في الضفة الغربية وأبناء المخيمات في لبنان هم أولادي ويجمع كل من عرف شهيد أنها كانت مثقفة وسياسية من الدرجة الأولى وكانت طليقة اللسان وحاضرة البديهة وتحاجج كبار السياسيين بالمنطق والمعلومة اعتمادا على لغتها الفرنسية المتقنة والدها الدكتور منيب شهيد أستاذ الطب في الجامعة الأميركية ووالدتها سيرين جمال الحسيني من عائلة الحسيني التي تعتبر من أكبر العائلات الفلسطينية درست علم الإنسان وعلم النفس في الجامعة الأميركية ببيروت في سنة 1978 تزوجت من الكاتب المغربي محمد برادة واستقرت في المغرب لبعض الوقت مثلت حركة تحرير فلسطين في أيرلندا ومن ثم عملت مديرة للمكتب الإعلامي لمنظمة التحرير في لاهاي وشغلت في نفس الوقت منصب مندوبة فلسطين في هولندا والدنمارك بين 1993 و2005 عملت مندوبة لفلسطين في فرنسا لمدة 12 عاما قبل أن تنتقل إلى بروكسل لتمثل فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي حتى عام 2013 وتستقيل زارت شهيد الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1994 لأول مرة وبقي لديها أمل أن تحصل على مواطنة فلسطينية حين تقام دولة فلسطين في أحد المرات قالت شهيد لا أعمل كسفيرة للقضية الفلسطينية هذه ليست مهنة أنا أعبر عن قناعتي وشعوري الوطني والشخصي لا أتصور نفسي لا أدافع عن فلسطين ويرى الدبلوماسي الفلسطيني ووزير الخارجية الأسبق ناصر القدوة أن ليلى شهيد هي أبرز سفيرة فلسطينية على الإطلاق كانت أيقونة من الصعب أن تتكرر وقال القدوة لـالعربي الجديد رغم أننا كنا من نفس الجيل أنا وعدد من الدبلوماسيين إلا أن ليلى كانت تتعامل معنا على أننا أولادها في الحنان والاهتمام وتوجيه النصائح وحتى في الشتائم أيضا كانت أما حقيقية ويضيف كانت شهيد تتمتع بكاريزما طاغية وقدرة على النقاش والمحاججة المنطقية مثقفة وسياسية من الطراز الأول جذبت إليها كل السياسيين من المستوى الأول حتى أنها كانت تربطها علاقة شخصية بالرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك النخب السياسية كانت تسعى للقاء شهيد لما تتمتع به من ديناميكية عالية جدا وحسب القدوة كانت شهيد مبدعة وضيفة دائمة في الإعلام الفرنسي في الإذاعات والقنوات التلفزيونية وكان المواطن الفرنسي العادي يعرف اسمها ويستطيع أن يميز صوتها في البرامج الحوارية الإذاعية عرفت شهيد بأنها لم تكن تجامل أحدا في رأيها حتى أنها كانت توجه انتقاداتها للرئيس الراحل ياسر عرفات الذي كانت لديها مكانة مميزة عنده كانت تقول ما لديها دون وجل وبغض النظر عن مكانة الشخص الذي تنتقده والجميع يتقبل منها بصدر رحب لأن دوافعها دوما كانت وطنية ومهنية دون اعتبارات شخصية يضيف القدوة ويختم ليلى شهيد كانت من الأشخاص المعدودين على الأصابع الذين بقوا ملازمين مستشفى بيرسي العسكري الفرنسي في الأيام الأخيرة للرئيس الراحل ياسر عرفات أما صديقها المستشار السابق في منظمة التحرير خافيير أبو عيدة والذي كان يرى في شهيد صديقة ومعلمة على مدار السنوات الست عشرة الماضية فيقول لـالعربي الجديد إن رحيلها خسارة كبيرة لفلسطين كانت مثقفة ومسيسة وهذا أمر من النادر أن يتكرر في شخص واحد وربما من المستحيل أن يعمل شخص بهذه الصفات أيضا دبلوماسيا في أهم عواصم العالم كما كانت شهيد ويضيف أبو عيدة ليلى هي حفيدة جمال الحسيني من جهة أمها وهو أبو الدبلوماسية الفلسطينية ووزير خارجية فلسطين في حكومة كل فلسطين عام 1948 وهو مسؤول عن كل العملية الدبلوماسية قبل نكبة فلسطين أي أن سطوع نجمها في العمل الدبلوماسي له جذور في الجينات إن صح التعبير وتابع قائلا ليلى شهيد كانت من أولاد الطبقة البرجوازية التي اختارت أن تكمل طريقها مع الثورة الفلسطينية بعد النكبة رغم أنها جاءت من عائلة متعلمة ومرتاحة اقتصاديا وقادرة أن تفتح أمامها كل طرق الحياة الهادئة في بيروت لكنها اختارت طريقها مع الثورة الفلسطينية اختارت الطريق الأصعب بمحض إرادتها ولم تتراجع يوما عن خيارها حسب أبو عيدة فإن شهيد كانت معروفة بمواقفها القوية وانتقادها الحاد لأي قرار لا يعجبها ولا تراه منطقيا حتى أنها كانت توجه الانتقادات للرئيس أبو عمار بشكل مباشر وكان يستقبل ذلك بصدر رحب ولا ينسى أبو عيدة المرة الأولى التي التقى فيها شهيد في رام الله في اجتماع لعدد من سفراء الدول الأوروبية حيث أصرت أن تشرف على كل التحضيرات رغم أن هناك فريقا يتولى الأمر وفي إحدى المرات وقبل انعقاد لقاء حول القدس مع عدد من الدبلوماسيين الأجانب قلت لها أعتقد أنه يجب الحديث معهم عن الوضع القائم ستاتيكو في القدس المحتلة وأردت أن أشرح لها المقصود بهذا المصطلح لأنها تعمل في أوروبا وربما لا يكون لديها صورة كاملة عن وضع القدس تاريخيا لكنها فاجأتني عندما بدأت الحديث عن اتفاقية برلين عن الوضع القائم لعام 1878 كانت تسرد التفاصيل الدقيقة ومسؤولية كل دولة وكأنها تقرأ من كتاب مفتوح كما يقول أبو عيدة ويكمل أبو عيدة من يعرف شهيد يعرف أن كل قوتها تختفي أمام الأطفال ضحايا الحروب وسبق أن عبرت عن ذلك أكثر من مرة قائلة أنا ضعيفة أمام الأطفال من ضحايا الحروب الحرب ليست قرارهم وبحسب أبو عيدة كانت تختصر الحرب بالموت والمقاومة بالحياة وأن الاستشهاد سعر الانتصار على حد تعبيرها كانت حزينة وغاضبة من خذلان العالم لفلسطين وسبق أن انتقدت في السنوات الماضية خذلان الغرب للقضية الفلسطينية وقلبهم للحقائق في أحد لقاءاتها التلفزيونية اختصرت كلمة العدالة بالقضية الفلسطينية والسلام بأنه هو الحياة الطبيعية لكن شهيد رحلت والفلسطينيون يعيشون واحدة من أسوأ مراحل تاريخهم بلا عدالة ولا سلام حين تخلى العالم عن الوقوف مع الضعيف وسمح بإبادة قطاع غزة في مشاهد حية ومباشرة