هذه ليلتي في فالنسيا اختبار بصري بجماليات قليلة
في لحظةٍ توهم بهدوءٍ بينهما، تختار ربى (جفرا يونس) أغنية هذه ليلتي (1968)، للاستماع إليها رفقة والدها (حسن الصالح)، برغبةٍ في استعادة ماضٍ يمتلك شيئاً جميلاً، رغم خراب حاصل فيه، وممتدّ إلى الآن، ينكشف تدريجياً في سردٍ بصريّ يصنع فيلماً، تختار يونس نفسها عنوان تلك الأغنية ليكون عنوان فيلمها الروائي الطويل الأول.
الاختيار غير عفوي، ففي زمنٍ ماضٍ (رغم أنّ الأعوام الفائتة قليلة، نسبياً، يبدو أنّ الأعوام تلك زمنٌ، لشدّة الهوّة الحاصلة بين أفرادٍ، وبين أفرادٍ وحالات وانفعالات، فيها جميلٌ يندثر سريعاً)، يطلب الأب من ابنته الصغيرة شراء كاسيت هذه ليلتي من دكانٍ قريب، فالأمسية حينها عامرةٌ برخاء، والعَرَق فاعلٌ في سكينةٍ وتصالح.
مع الكلمات الأولى بصوت أم كلثوم، يُخبر الوالد ابنته أنّ كاتبها جورج جرداق، وأنّه (الوالد) غير مستمع إلى أي أغنية منذ توقّفه عن احتساء الخمر، قبل سنين، قائلاً: (يومها) كان في مزاج. الابنة شابّةٌ، تُقيم في منزل والدها بعد وفاة الأم، المنفصلة عنه أعواماً مديدة، والابنة رفقة والدتها تلك الفترة كلّها.
هذه ليلتي (2024، 69 د.)، المشارك في الدورة الـ21 (29 مايو/أيار ـ 7 يونيو/حزيران 2025) لـمهرجان فالنسيا الدولي للسينما وحقوق الإنسان (تُنظّمه مؤسّسة العدالة منذ إنشائه عام 2009)، حكايةٌ باللون الرمادي (إنْ يكن مُمكناً وصف المُصوَّر فيه هكذا، فالرماديّ يوحي أيضاً بنواة العلاقة المرتبكة بين الأب وابنته)، تستعيد ماضياً في راهنٍ غير سوي، وتكشف أحوالاً معطوبة، والعطب مستمرّ إلى لحظةٍ، تكاد تكون تصفية حسابات، رغم أنّ المرويّ أقرب إلى الاعتراف، مع أنّ المغفرة لن تكون هدفاً (أو هكذا يُشبَّه لنا).
أمّا زمن الحكاية فساعاتٍ قليلة، تبدأ مع ربى، المنهمكة في تنظيف المنزل الصغير شبه الفارغ، والموحي ببرودةٍ منذ الدقائق الأولى. عينان متعبتان، يُعرف لاحقاً سبب تعبهما، ومسدس تُدرك ربى مخبأه، فتلتقطه بيديها قبل إعادته إلى المخبأ، أسفل خزانة عتيقة. الأب جالسٌ في غرفة الاستقبال، بين أرغفة يُرتّبها في أكياس، كأنّه، في الوقت نفسه، يشاهد التلفاز غير الظاهر في المشهد، وغير المسموع صوته.
كلّ شيءٍ
ارسال الخبر الى: