جيل ليبوفتسكي هل يمكن ترويض القوة المفرطة خارج الدولة

43 مشاهدة
يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفتسكي أن مستقبل الإنسانية لم يكن يوما بهذا القدر من الانفتاح واللايقينية وأنها تقف اليوم أمام أفق بلا سيناريوهات جاهزة وبين التفاؤل والتشاؤم يقترح في كتابه القوة الفائقة السلطة المفرطة والهشاشة منشورات فلاماريون 2026 موقفا ثالثا الاعتراف بقوة عصرنا الهائلة والعمل على توجيهها بدل الاستسلام لها ويواصل تشريح ما أطلق عليه قبل عقود عصر الحداثة المفرطة التي يرى أنها تدخل اليوم طورا جديدا يسميه حضارة القوة الفائقة مؤكدا أن منطق هذه الحضارة الجديدة يقوم على السعي الدائم لتجاوز الحدود في جميع المجالات التكنولوجية والاقتصادية والسياسية وعلى صعيد الحياة الفردية كذلك فالحدود التي كان يرى فيها في العصور السابقة قيودا أو مرجعيات طبيعية ودينية وقانونية ينبغي احترامها باتت اليوم تدرك بوصفها تحديات يجب تجاوزها باستمرار nbsp وتتجلى ملامح القوة الفائقة حسب ليبوفتسكي في ظواهر رئيسية أربع أولها التقدم العلمي والتقني المذهل والمتسارع من غزو الفضاء إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية حيث لم يعد الهدف تحسين شروط العيش بل إعادة تشكيل الطبيعة والإنسان ذاته وثانيها الرأسمالية النيوليبرالية المعولمة التي سلعت الرغبات والحاجات وأنماط التفكير ورسخت تركزا غير مسبوق للثروة والسلطة وخلقت شركات عالمية تفوق قوتها قوة دول عديدة أما ثالث هذه الظواهر فهي الفردانية المفرطة التي تضع الذات في مركز كل شيء وتطالب بحرية مطلقة في اختيار الهوية والجسد ونمط العيش وحتى في اختيار لحظة الموت حيث تمثل نزعة ما بعد الإنسانية ذروة هذا المسار بسعيها إلى تجاوز المرض والشيخوخة والموت ذاته كلما تعاظمت التكنولوجيا أنتجت آثارا جانبية يصعب التحكم فيها nbsp nbsp وأخيرا التحولات الجيوسياسية مع عودة منطق القوة إلى الواجهة على حساب القانون الدولي وصعود الإمبربالية الجديدة وتعاظم الأنظمة السلطوية التي ترفع شعار السيادة المطلقة ويترافق ذلك كله مع nbsp تنامي المخاطر المتمثلة بالأزمة البيئية وتراجع الديمقراطية وتصاعد النزعات القومية والشعبوية وعودة الحرب في أوروبا والهجرة غير الشرعية والإرهاب والتفكك التدريجي للنظام الدولي ويختار ليبوفتسكي ثلاث شخصيات أسطورية إغريقية لتجسيد هذه المرحلة بروميثيوس رمز السيطرة التقنية على الطبيعة ونرسيس رمز الفرد المتمركز على ذاته واللاهث وراء الرفاه ومارس رمز عودة الحرب ومنطق القوة العسكرية وسباق التسلح في سياق عالمي مضطرب ويبين أن القوة الفائقة ليست ظاهرة حديثة النشأة فقد عرفتها البشرية قديما في شكل إمبراطوريات دينية وسياسية اكتست سلطتها المطلقة طابعا مقدسا ثم جاءت الحداثة فعلمنتها ونقلتها من السماء إلى الأرض لتتجسد بالإيمان بالتقدم وقوة العلم والتقنية بوصفهما أداتين شبه خلاصيتين لتحسين العالم بلا حدود في إطار تصور خطي للتاريخ يتجه دوما نحو مستقبل أفضل أما اليوم وفي عصر الحداثة المفرطة فلم تعد القوة الفائقة حكرا على الدولة بل باتت فوق سياسية تتحرك بقدرات لا تكاد تحد عبر التكنولوجيا والسوق والشبكات الرقمية لكنها تمضي بها دونما رؤية واضحة للغايات أو تبصر لمخاطر الاندفاع غير المضبوط في سعي محموم لاقتحام كل مجهول وتجاوز كل ممكن حاملة في طياتها توترا بنيويا دائما بين الطموح اللامحدود واحتمال الانهيار في أي حين لكن ليبوفتسكي لا يدعو إلى رفض القوة الفائقة أو شيطنة التقنية فهو يعدها أمرا لا رجعة فيه فضلا عن أنها تحمل إمكانات هائلة للابتكار وحل الأزمات بما فيها الأزمات التي ساهمت هذه القوة نفسها في تفاقمها فيؤكد قائلا إن القوة الفائقة ليست شرا في ذاتها وتجاوز الحدود ليس تهديدا فحسب بل هو محرك الابتكار والتقدم فإذا وجهت هذه القوة الفائقة بوعي أخلاقي وإرادة سياسية لخدمة الخير العام أمكن أن تصبح قوة للتحول والتقدم فالمطلوب هو تأطيرها وتنظيمها لا وصمها أو شيطنتها وعليه فإن التحدي عنده لا يكمن في وقف النمو أو إعلان العداء للتقدم بل في تنظيم هذه القوة وتوجيهها عبر القانون والمؤسسات الديمقراطية بما يحول دون تحولها إلى قوة مدمرة للطبيعة والإنسان طغيان السعادة الشخصية مقابل تراجع المشاريع الجماعية الكبرى ويكشف هذا التفاؤل المشروط عن ميل ليبوفتسكي إلى قراءة ظاهرة القوة الفائقة ضمن أفق ليبرالي لا يذهب بعيدا في مساءلة الرأسمالية المعولمة ونقد منطقها نقدا جذريا وإن كان لا ينكر طبيعتها الملتبسة فهي تحمل من الوعود قدر ما تحمل من nbsp المخاطر فكلما تعاظمت القدرات التكنولوجية أنتجت آثارا جانبية تصعب السيطرة عليها فتغدو بذلك مصدرا للهشاشة الفردية ومنبعا للشعور العميق بانعدام اليقين بما تحدثه من تآكل للأطر التقليدية التي تمنح المعنى والاستقرار وبما تولده من مشكلات بيئية مثل التغير المناخي أو اقتصادية كالفقر واحتكار الثروة أو اجتماعية مثل العزلة والاضطرابات النفسية وحين يراهن المؤلف رغم كل شيء على قدرة الإنسانية على حشد القوة من أجل كبح القوة فإنما يعبر عن قدر من الثقة في قدرة العقلانية السياسية والتقنية على توجيه دينامية تتسم بطبيعتها بالتوسع المستمر فهل يمكن حقا ضبط منطق يقوم على التجاوز الدائم للحدود أم أن القوة الفائقة تحمل في ذاتها ميلا جامحا إلى الانفلات يتعذر كبحه بأي حال يذيل المؤلف فصول كتابه السبعة بحوار أجراه معه عالم النفس لوي رافينو ركز فيه على تحولات الثقافة المعاصرة في ظل الفردانية المفرطة وعلاقتها بمنطق القوة الفائقة يشدد ليبوفتسكي هنا على طغيان فكرة السعادة الشخصية وتحقيق الذات مقابل تراجع المشاريع الجماعية الكبرى فيnbsp ظاهرة يسميها النرجسية الجديدة التي باتت تمثل نمطا ثقافيا عاما لا اضطرابا فرديا يحل فيه الإنسان النفسي محل الإنسان السياسي nbsp فالنرجسي المعاصر لا يكتفي بتأمل ذاته بل يعمل على تحسينها فيحرص على ممارسة الرياضة ومراقبة نظامه الغذائي ويلجأ للجراحة التجميلية ويطارد المتعة والرفاه لكن هذا السعي لا يخلو من هشاشة فتصاعد التركيز على الذات يولد مزيدا من القلق والشعور بعدم الاكتفاء فإذا كانت القوة الفائقة لا تعني كلية القدرة وتعجز على المستوى العام عن معالجة ما ينجم عنها من مشكلات فإنها تصطدم على الصعيد الفردي بحد أنثروبولوجي يتعذر بلوغه ألا وهو السعادة الفردية المنشودة شاعر ومترجم من الأردن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح