أيحق لمجلس القضاء الأعلى تحديد تعويض الوفاة والعجز

52 مشاهدة
أصدر مجلس القضاء الأعلى nbsp في سورية قرارا حدد فيه مقدار التعويض الدية في حالة الوفاة بثلاثين ألف دولار ووضع نسبا مئوية من هذا المبلغ تحتسب عند وقوع عجز أو تعطيل في أحد أعضاء جسم الإنسان وألزم المحاكم بالعمل بهذه الجداول ورغم أن بعض النقاش انصب على استخدام مصطلح الدية باعتباره ذا جذر فقهي إسلامي يبقى هذا النقاش شكليا إلى حد بعيد لأن المقصود في النهاية تعويض مالي عن الوفاة أو العجز أيا كانت التسمية المعتمدة أما جوهر النقاش الذي يتناوله هذا المقال فيتعلق أولا بمشروعية القرار من حيث طبيعة الصلاحيات التي استند إليها وما إذا كان مجلس القضاء الأعلى يملك أصلا سلطة إصدار مثل هذه القواعد العامة الملزمة وبمنهجيته في تحديد مقدار التعويض ونسب العجز في الطبيعة القانونية للقرار القرار محل البحث إداري تنظيمي عام صدر عن سلطة إدارية مجلس القضاء الأعلى موجه إلى المحاكم لتطبيق جداول محددة في تقدير التعويضات وهو ليس قانونا صادرا عن السلطة التشريعية ولا اجتهادا موحدا صادرا عن الهيئة العامة لمحكمة النقض وإنما قاعدة تنظيمية عامة أريد لها أن تكون ملزمة لجميع القضاة والمتقاضين قد يقال إن تحديد مبلغ ثابت للوفاة محاولة لتوحيد معايير التعويض بين المحاكم في ظل التفاوت الكبير في الأحكام غير أن توحيد المعايير لا يمكن أن يبرر تجاوز الاختصاص رغم هذا الوضوح حاول محامون زملاء تزيين هذا القرار وتقديمه بوصفه جريئا وغير مسبوق مستخدمين عبارات يبدو شكلها منطقيا لكن مضمونها غير دقيق بالادعاء بوجود سند له في المادة 85 من قانون السلطة القضائية القديم غير أن وجود هذه المادة لا يمنح المجلس سوى صلاحية إبداء الرأي من تلقاء نفسه في المسائل المتعلقة بالقضاء وهي صلاحية ذات طبيعة استشارية وتنظيمية داخلية تتعلق بإدارة شؤون القضاء وتنظيم العمل القضائي ولا ترقى إلى مستوى التفويض التشريعي ولا تجيز له إصدار قواعد عامة ملزمة تمس حقوق الأفراد وتفرض عليهم التزامات مالية أو تعدل من نظام المسؤولية المدنية والجزائية يضاف إلى ذلك أن اختصاص مجلس القضاء الأعلى في إصدار قرارات عامة مجردة يقتصر على القضاة أنفسهم تنظيم العمل القضائي توزيع الدعاوى شؤون الانضباط وما في حكمها من المسائل الداخلية للسلطة القضائية أما القواعد التي تمس حقوق الأفراد وتفرض عليهم التزامات مالية فهي بطبيعتها قواعد تشريعية لا يجوز أن تصدر إلا عن السلطة التشريعية أو عن الهيئة العامة لمحكمة النقض عبر الاجتهاد الموحد nbsp ثم إن تحديد مقدار الدية ووضع نسب العجز وربطها بمبالغ محددة ليس تنظيما إداريا لشؤون القضاء بل هو تدخل مباشر في الحقوق المدنية والجزائية للأفراد فهو ينشئ التزاما ماليا على الجاني ويمنح حقا ماليا للمجني عليه أو ورثته ويؤثر على آثار الجريمة وعلى تقدير المسؤولية وهذا النوع من القواعد يخرج عن دائرة اختصاص مجلس القضاء الأعلى ويشكل عملا ذا طابع تشريعي بحت لا يملك مجلس القضاء الأعلى سندا دستوريا أو قانونيا لمباشرته وعليه فالقرار من حيث الاختصاص مشوب بعيب جوهري هو عيب عدم الاختصاص ويخضع لرقابة القضاء الإداري بوصفه قرارا إداريا تنظيميا مخالفا للقانون ومتجاوزا للسلطة في منهج تحديد الدية قد يقال إن تحديد مبلغ ثابت للوفاة محاولة لتوحيد معايير التعويض بين المحاكم في ظل التفاوت الكبير في الأحكام غير أن توحيد المعايير لا يمكن أن يبرر تجاوز الاختصاص ولا أن يختزل فلسفة التعويض في رقم جامد فالأصل في التعويض في القانون المدني وفي الاجتهاد القضائي أنه يقدر تبعا للضرر الفعلي وظروف كل حالة على حدة جوهر دور القاضي في دعاوى المسؤولية ممارسة سلطة تقديرية واعية توازن بين جسامة الفعل وحجم الضررين المادي والمعنوي والظروف الشخصية للطرفين nbsp فالتعويض المستحق لورثة متوفى يعيل أطفالا قصرا يختلف منطقيا عن التعويض في حالة من لا يترك وراءه معالين وحالات الوفاة التي تسبقها معاناة طويلة أو تنطوي على ضرر نفسي ومادي أوسع نطاقا لا تستوي تماما مع حالات أخرى مختلفة في واقعها وآثارها إلى جانب ذلك يثير اختيار مبلغ ثلاثين ألف دولار قيمة للوفاة أسئلة حول منهج التقدير nbsp هل استند القرار إلى معايير اقتصادية مستوى الدخل القدرة الشرائية الحد الأدنى للأجور وهل اعتمد على متوسطات قضائية سابقة في أحكام التعويض وهل روعي في المبلغ الواقع الاجتماعي والاقتصادي للفئات الأضعف غياب أي بيان لهذه المعايير يحول المبلغ إلى تقدير إداري أقرب إلى الاعتباط منه إلى سياسة تشريعية مدروسة ولا سيما أن القرار لم يبين كيفية التعامل مع تقلبات سعر الصرف أو مسألة الدفع بالعملة الأجنبية أو بالليرة السورية وما ينتج عن ذلك من تفاوت عملي كبير بين حالة وأخرى الشق الأكثر إشكالا في القرار الجداول التي حددت نسبا مئوية من مبلغ الدية لحالات العجز وفقد الأعضاء فقد اعتبر القرار على سبيل المثال أن بعض الإصابات الجسيمة مثل فقد رجل لا تعادل سوى نصف وحدة أي نصف دية تقريبا أو نسبة مشابهة من المبلغ الكلي هذا التوصيف لا ينسجم مع طبيعة الضرر في واقع الحياة ولا مع فلسفة التعويض القائمة على جبر الضرر قدر الإمكان ففقدان طرف سفلي أو علوي ليس مجرد نسبة حسابية بل إصابة تغير حياة الإنسان بالكامل وتؤثر في قدرته على العمل وحركته واستقلاله ونمط معيشته وعلاقته بالمجتمع اختزال هذه الخسارة الإنسانية والمهنية في نصف وحدة أو نسبة جامدة من مبلغ محدد سلفا يبدو بعيدا عن الواقع الطبي والاجتماعي ولا يعكس خطورة الضرر ولا أثره المستمر مدى الحياة فضلا عن ذلك لا تستند هذه النسب بحسب الظاهر إلى جداول تقييم العجز المعتمدة في الطب الشرعي أو أنظمة التأمين والضمان الاجتماعي ولا إلى توصيات لجان طبية مختصة أو دراسات ميدانية ولا إلى اجتهاد قضائي مستقر تبلور عبر عشرات السنين بل تبدو أقرب إلى أرقام رقمية جامدة لا تراعي الفروق الفردية بين الأشخاص ولا طبيعة المهنة ولا سن المصاب ولا تعدد الإصابات وتداخلها بينما تقييم العجز في الأساس مسألة طبية فنية متغيرة يفترض أن يقوم بها أهل الخبرة في كل حالة على حدة وأن يستند القاضي في تقديره للتعويض إلى تقارير الخبرة لا إلى جداول مغلقة منشأة بقرار إداري في ملاءمة القرار من منظور قضائي وإنساني من الناحية القضائية جوهر دور القاضي في دعاوى المسؤولية ممارسة سلطة تقديرية واعية توازن بين جسامة الفعل وحجم الضررين المادي والمعنوي والظروف الشخصية للطرفين فرض مبالغ ونسب ملزمة سلفا من دون سند تشريعي يفرغ هذه السلطة التقديرية من مضمونها ويحول القاضي إلى مجرد منفذ لجداول رياضية لا تراعي خصوصية كل حالة ومن الناحية الإنسانية اختزال جسد الإنسان وأعضائه في نسب من وحدة مالية ثابتة يطرح إشكالات أخلاقية واضحة ويغفل أن التعويض المالي ليس سوى عنصر واحد من منظومة أوسع تشمل الرعاية الصحية المستمرة وإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي وتأمين مصدر رزق بديل في حالات العجز الدائم وإذا كان الهدف المعلن أو الضمني للقرار الحد من التفاوت الكبير بين أحكام التعويض فإن الطريق القانوني السليم لتحقيق هذا الهدف يكون عبر الخطوات التالية أولا تدخل تشريعي صريح يضع مبادئ عامة للتعويض عن الوفاة والعجز ويمكن أن يحدد حدا أدنى لا يجوز للقاضي النزول عنه في حالات معينة مع ترك المجال مفتوحا للحكم بمبالغ أعلى تبعا لظروف كل حالة ثانيا إصدار اجتهادات موحدة من الهيئة العامة لمحكمة النقض ترسم ضوابط لتقدير التعويض من دون أن تتحول إلى جداول حسابية جامدة بل إلى معايير تفسيرية تساعد على توحيد التوجه القضائي ثالثا إعداد جداول استرشادية للعجز بالتعاون مع الأطباء الشرعيين ونقابة الأطباء وخبراء التأمين تعرض على القضاة بوصفها مرجعا فنيا من دون أن تكون ملزمة حتى لا تقيد السلطة التقديرية ولا يمس جوهر وظيفة القضاء يتضح مما تقدم أن القرار المذكور شكلا وموضوعا تجاوز الحدود المرسومة لصلاحيات مجلس القضاء الأعلى ومارس وظيفة تشريعية لا يملكها وأنشأ التزامات مالية تمس حقوق الأفراد من خلال قرار إداري تنظيمي لا يستند إلى تفويض تشريعي صريح

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح