لماذا يقتل الروائي شخصياته

50 مشاهدة

في رواية مدام بوفاري لفلوبير، يضع الروائي بطلته، صفحة بعد أخرى، ومنذ البداية، في مأزق حياتي شديد الضيق، ثم يفتح لها نافذة بعد أخرى، لا ليجعلها تنجو بالحبّ الحقيقي الذي كانت تبحث عنه، أو بدأت تبحث عنه منذ أن تعرّفت إلى عالمٍ مختلف عن ذلك العالم الضيق الذي وجدت نفسها فيه وهي صغيرة، بل ليقرر أن مثل هذا الخيار عاقبته الموت.

وهذا أمر غريب للغاية، إذ إن المحكمة الفرنسية ادعت على الروائي غوستاف فلوبير بتهمة الإساءة إلى الأخلاق العامة وإلى الدين، بحسب المرافعة التي قدّمها المحامي العام الفرنسي أثناء محاكمة الكاتب. بينما كان الروائي، لو قُرئت الرواية جيداً، لا يتحدث عن الأخلاق أو الدين، بل عن الخيارات البشرية التي تفضي بكثير من الأفراد إلى الموت.

وقد دافع محامٍ بارع عن الرواية والروائي ضد التهمة الموجَّهة إليهما، وتفهّم أحد القضاة الشجعان دوافع الكاتب في الكتابة، كما استوعب موقف المرأة العاشقة، وحكم ببراءة الروائي من اتهامات الادعاء. وهذا مهم في سياق الدفاع عن حرية التعبير، لكنه لا يحمل معنىً يُذكر، أو لا يظل مهماً البتة، في حقل الخيارات الوجودية.

والراجح عندي أنّ الشخصية كانت أكثر شجاعة من الكاتب، بينما خدعها العالم الخارجي، أو المرجع الواقعي، وأحال الروائي إلى المحاكمة، ولهذا لم يجد بُدّاً من جعلها تنتحر، بعد أن أُغلقت أمامها سبل الحياة بشراسة أولئك الذين خدعوها وكذبوا عليها، ممن كانت تعتقد أنهم يحبونها.

موت مدام بوفاري أو آنا كارينينا ليس حالة متكررة، بل يمثّل فرادة

وليس لدينا أي دليل على احتمال أن يكون أحد ما قد فكّر في إحالة تولستوي إلى المحكمة بسبب آنا كارينينا، في الرواية التي حملت اسمها. وهي شخصية متمرّدة أخرى، وعاشقة خارج الأعراف. وسوف تجد في طريقها أنذالاً آخرين يضعونها في المأزق الوجودي الذي لا تجد، أو لا يجد الروائي، وسيلة للخلاص منه إلا بدفعها إلى الانتحار، فاختار عجلات القطار الرهيبة لترمي نفسها تحتها.

وربما كان هذا الاختيار هو الذي أخرج كلتا الشخصيتين من النمطية، فالحب والعشق موجودان

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح