لماذا يحتاج الإنسان إلى الوهم أحيانا كي يستمر

يمنات
مجيدة محمدي ـ تونس
منذ اللحظة التي وعى فيها الإنسان هشاشته فوق هذه الأرض، بدأ يبحث عن شيء يحميه من قسوة الحقيقة. لم تكن الحقائق دائمًا رحيمة ، فهي تخبره بأنه فانٍ، وأن أحلامه قد تتكسر، وأن جهوده قد لا تُكافأ، وأن العدالة ليست حاضرة في كل مكان كما يتمنى. لذلك نشأت داخل النفس البشرية قدرة غريبة على صناعة الأوهام أو التشبث بها، باعتبارها آليات خفية للبقاء.
فحين نتحدث عن الوهم، فإننا غالبًا نمنحه دلالة سلبية. نراه نقيضًا للحقيقة، وعدوًا للعقل، وحجابًا يمنع الرؤية الواضحة. لكن التجربة الإنسانية أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم الحاد. فليس كل وهم خداعًا رخيصًا، وليس كل حقيقة قابلة للاحتمال في كل الأوقات. هناك لحظات يصبح فيها الوهم أشبه بعكاز نفسي مؤقت، يمنح الإنسان القدرة على عبور مرحلة لا يستطيع اجتيازها بقوة الواقع وحده.
من ذلك نرى عديد النماذج لحالات إنسانية تعبر عن هذا ، فالمريض الذي يصدق في أعماقه أنه سيتعافى، رغم أن المؤشرات لا تبدو مطمئنة، يعيش نوعًا من الوهم الجميل. والعاشق الذي يعتقد أن الغد سيكون أفضل، رغم كل الخيبات، يستند إلى صورة لم تتحقق بعد. والفقير الذي يواصل العمل سنوات طويلة وهو يتخيل حياة أكثر كرامة، إنما يتحرك بقوة فكرة لم تصبح واقعًا بعد. في كل هذه الحالات، يبدو الوهم كأنه طاقة كامنة تدفع الإنسان إلى الأمام.
ولعل المفارقة الكبرى أن الحضارة نفسها قامت على أوهام تحولت لاحقًا إلى حقائق. فقبل أن يطير الإنسان، كان الطيران حلمًا أقرب إلى الوهم. وقبل أن يصل إلى القمر، كان الأمر يبدو ضربًا من الخيال. إن كثيرًا مما نعتبره اليوم إنجازًا بدأ في الأصل بصورة ذهنية غير مؤكدة، وبإيمان يتجاوز حدود المعطيات المتاحة.
غير أن الوهم ليس دائمًا نعمة. فهناك أوهام تتحول إلى سجون مغلقة، حين تمنع الإنسان من رؤية العالم كما هو، أو تدفعه إلى إنكار الوقائع باستمرار. الفرق الجوهري يكمن في أن الوهم الصحي يمدّ الإنسان بالقوة إلى أن يواجه الحقيقة، بينما الوهم
ارسال الخبر الى: