لماذا صار تمسك السعودية بالوحدة هدفا لاحتواء الجنوب

بقلم: د. أمين العلياني
في دهاليز التاريخ المظلمة، حيث تُنسَج الخيوط بخفاء، وتُصاغ العقود بالقوة الناعمة قبل الخشنة، ثمّة حكاية تخترق الدولة في الشمال من جهة، والدولة في الجنوب من جهة أخرى. وكل ما كان يحصل للدولتين لم يكن يومًا شأنًا داخليًا خالصًا، بل هو قصة مملكة النفط والطموح، المملكة العربية السعودية، التي أدركت مبكرًا أن بوابة نفوذها الكبرى في خاصرة الدولتين في شبه الجزيرة العربية لن تُفتح بمفاتيح صنعاء وحدها، بل بإحكام السيطرة على تلك المفاتيح أولًا. ومن هنا، صار تمسك الرياض بـ”الوحدة” اليمنية اليوم عقيدةً سياسيةً استراتيجية، ليس حبًا في توحيد الشعبين الشقيقين، بل يأسًا من إمكانية إخضاع الجنوب دون المرور الإجباري عبر بوابات الشمال التي طوعتها وأدخلتها في فلكها منذ ما يربو على ستة عقود.
لنعد بالذاكرة إلى ما قبل ثورة سبتمبر 1962م، حين كانت المملكة المتوكلية الهاشمية في الشمال تمثل عمقًا استراتيجيًا متنافرًا مع المد القومي الناصري. هناك، في أحشاء ذلك النظام الإمامي، زرعت الرياض أولى بذور اللجنة الخاصة، تلك الأداة التي لم تكن مجرد جهاز استخبارات، بل كانت مختبرًا لصناعة النخب، ومرسمًا لتخطيط مسارات القبائل، ومنبرًا لتوجيه رجال الدين ونخب وأحزاب الشمال السياسية. ومن هنا استطاعت الرياض، ببراعة الصانع الماهر، أن تحوِّل النظام الإمامي إلى حديقة خلفية، وأن تروض وحش القبيلة اليمنية الشمالية الهائج عبر سلسلة ذهبية من الامتيازات والمنح، جاعلةً من مشيخة القبيلة تابعًا لا شريكًا، ومن رجل الدين مبررًا لا رقيبًا، ومن النخب والأحزاب السياسية أدواتٍ يسهل مقاربتها واحتواؤها.
ولما عصفت رياح سبتمبر بالعرش الإمامي، لم تتراجع آلة الاحتواء السعودية، بل أعادت هندسة أدواتها، وذلك من خلال تفطّن الرياض إلى حقيقة جوهرية، وهي أن الأنظمة تتهاوى، والأيديولوجيات تتبخر، لكن النخب والأحزاب السياسية، وشيوخ القبائل، ورموز الدين تبقى، وهي التربة الخصبة الوحيدة التي يمكن زراعة النفوذ فيها. وهكذا، تحولت الدبلوماسية السعودية من حامية للنظام الملكي إلى مهندسة للتوافق الجمهوري، مضفيةً شرعيتها على النظام الجديد عبر ترتيبات وإشراف سعودي، كان ثمنها الخفي جعل صنعاء عاصمةً
ارسال الخبر الى: