لماذا تفشل السعودية في احتواء الأوضاع في الجنوب

لماذا تفشل السعودية في احتواء الأوضاع في الجنوب؟
لأنها بدأت بالقوة قبل السياسة، وبالسردية قبل الحقيقة.
الخطأ الأول – وهو الأخطر – كان القصف.
حين امتدت الضربات الجوية من حضرموت إلى الضالع بأكثر من خمسين غارة وسقط مدنيون، لم يعد الأمر مجرد عملية عسكرية محدودة، بل تحوّل إلى صدمة نفسية عميقة في الوعي الجنوبي. أي حديث لاحق عن “احتواء” أو “حوار” فقد معناه أمام مشهد الدم. في السياسة، يمكنك أن تختلف… لكن حين تسقط الضحايا، فإنك تغيّر قواعد اللعبة بالكامل.
ثم جاء الخطأ الثاني: الضغط على الوفد الجنوبي في الرياض لإعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي في 9 يناير.
هذه الخطوة لم تُفهم كإجراء تنظيمي، بل كاستهداف مباشر لأهم مشروع سياسي جنوبي منذ انطلاق الحراك عام 2007، ومحاولة لكسر نفوذ يُعتقد أنه إماراتي، وكسر موقف عيدروس الزبيدي الذي قال “لا” للرياض. تلك اللحظة لم تكن عابرة، بل كانت أول “لا” صريحة داخل معسكر الشرعية اليمنية، ولذلك كان الرد عليها سياسيًا قاسيًا وغير حكيم.
أما سردية “الأمن القومي السعودي”، فهي – بصراحة – لم تقنع الشارع الجنوبي.
كيف يمكن تصوير القوات الجنوبية في حضرموت كتهديد للأمن القومي السعودي، حتى لو افترضنا أنها مدعومة إماراتيًا، بينما الحوثيون يتمركزون على الحدود السعودية مباشرة، ويملكون صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت العمق السعودي لسنوات؟
أي تهديد أشد وأوضح: قوة جنوبية محلية تقاتل داخل أرضها، أم جماعة عقائدية مسلحة على الحدود المباشرة للمملكة؟
هذا التناقض فتح الباب أمام استنتاج خطير في الوعي الجنوبي: أن هناك تفاهمات سعودية–حوثية تجري من تحت الطاولة.
الجنوبيون قاتلوا الحوثيين كعدو استراتيجي وعقائدي، وذهبوا إلى الساحل الغربي والحدود دفاعًا عن السعودية نفسها. كثير من الدم الجنوبي سُفك في تلك المعارك. واليوم، حين يرون ليونة سياسية مع الحوثي، مقابل تشدد وقصف ضد قوات جنوبية، يشعرون بأن ميزان التحالفات انقلب.
إضافة إلى ذلك، اعتمدت السعودية على أدوات احتواء سطحية:
لا اعتراف رسمي بالخطأ، لا معالجة جذرية لملف الشهداء والجرحى، بل مقاربات أقرب إلى “إدارة أزمة إعلامية”
ارسال الخبر الى: