لغة ناعمة لواقع خشن كيف انكشفنا

14 مشاهدة

عندما كنا أطفالاً، لم نكن نفهم تماماً تلك الازدواجية الغريبة، التي كنّا نشاهدها تتكرر في بيوت أهلنا وأقاربنا، فمن منّا لم يستمع إلى الكبار يتحدثون بحفاوة مبالغ فيها مع ضيف ما، يستقبلونه بالأحضان وبالقُبَل، ثمّ يوزعون الابتسامات والمجاملات مثل حلوى العيد، هذا إذا كان ضيفاً عادياً، فكيف إذا كان ثمّة مصلحة ما معه؟ ثمّ ما إن يغلق الباب خلفه، وعندها لا يهم إن كان ضيفاً عادياً أو ضيفاً مع مصلحة، حتى ينال ما يجب أن يناله من: انتقاد، وتذمر، وربّما شتائم ولا بأس ببعض أحكام القيمة التي تضعه في أسفل السافلين.
وكان يمكن للطفل أن يشعر بالغرابة أمام هذا الانقلاب اللحظي في المزاج ونبرة الصوت وتعابير الوجه، ليكتشف ويتعلّم مبكراً أن الحقيقة في مجتمعاتنا ليست دائماً ما يقال علناً.
كان ذلك النفاق الاجتماعي القديم، يحتاج إلى قدرة على ضبط تعابير الوجه ونبرة الصوت، وأن يخفي المرء مشاعره الحقيقية بمهارة، لأن كل شيء يحدث وجهاً لوجه، بدون شاشة تحميه.
في إحدى المناسبات الثقافية، قبل فترة، جاء أحد الحضور، بعد انتهاء نقاش على منصة حواريّة، صافحني بحرارة، ولم يتردد، وهو يمدحني، في الانتقاص من أحد المتحدثين الآخرين معي على المنصّة، حاولت تهدئة النبرة فقلت: أعتقد أنّ النقاش كان غنياً، ومن الطبيعي تماماً أن نختلف، خاصة في المواضيع التي تناولناها ثمّ غادرت.

في السنوات الأخيرة لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد منصات ترفيهية أو للتعبير عن الآراء الفردية، بل تحوّلت إلى مرآة كبيرة تعكس صورة المجتمعات التي تستخدمها

في صباح اليوم التالي، فوجئت بأن الشخص نفسه كتب تعليقاً طويلاً على فيس بوك، موجّهاً إلى المتحدث الذي كان ينتقص منه بالأمس، يفيض فيه إعجاباً، بأفكاره العميقة والبناءة. ولحسن الحظ، أو لسخرية القدر، أنّه لم يشتمني في ذلك التعليق.
شعرت أنّ هذه الحادثة ما هي إلّا امتداد لما خبرته في طفولتي، اختلاف كبير بين ما يقال وجهاً لوجه وما يقال وراء الظهر أو من خلف الشاشة. لكن الجديد هو أنّ هذا التناقض أصبح اليوم يحدث

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح