لغة في قبضة الأكثرية

28 مشاهدة

مع كل صدام مذهبي أو طائفي، لا تُذبح الأجساد فقط، بل تُنحر اللغة أيضاً، لا في قواميسها، بل في مخابئ لا يعلم بها غير الضحية وغريمها. هناك، حيث تُنطق الكلمات لا بوصفها وسيلة تواصلش، بل كمسافة أمان أو رعب بين إخوة. حيث، في خضمّ ما يجري في سورية، لم تعد اللغة حياديّة، بل باتت تمشي بثيابٍ مفصّلة على قياس الغلبة، تُثبّت إرادة فئة، وتنزع الشرعيّة عن أخرى. نعلم كلنا أن ما يُقال لا يُقصد به دائماً ما يُقال. والأكثريّة هنا ليست كلمة عابرة، إنها مفصلٌ يربط مرحلتين، دليل تُصاغ على أساسه الأولويّات، وتُقاس العدالة، وتُداس الهويّات. فهل يُمكن أن تكون الكثرة ذريعة للغلبة؟ سؤال يُقضّ مضجع اللغة نفسها.
في خضمّ التحوّلات العاصفة التي يشهدها المشهد السوري، تأخذ اللغة دورها كلاعبٍ أساسيّ في ترسيخ إرادةٍ لقوى، وسحب المشروعيّة من قوى أخرى. يتخذ مفهوم الأكثريّة أبعاداً لا علاقة لها بعدّ الأصوات فحسب، بل بما يُراد له أن يبدو حتميّاً. فرغبات الأكثريّة، حين تُلبّى باعتبارها مرجعيّات مطلقة للكل، تفقد براءتها، حيث نتجاهل أن الأرقام قد لا تعني شيئاً سوى أننا اكتفينا بالحقائق الأوليّة والسهلة. إذ لطالما تجلّى مفهوم الأكثريّة في فضاء الفكر السياسي والفلسفي كأحد أكثر المفاهيم إشكاليّة وتعقيداً، وتكمن إشكاليّته في تأرجحه بين بُعدين متناقضين: البُعد العددي الرقمي، والبُعد القيمي النوعي.
كاحتكامٍ متسرّع ونزق، تُعرَّف الديمقراطيّة بأنها حكم الأغلبيّة. ومن هنا ينبثق منطقٌ متعرّج النيّات، غير آبهٍ بالمساواة بمعناها الإنسانيّ الشامل. إذ ترتكز الأكثريّة العدديّة على فرضيّة أن ما يؤيّده العدد الأكبر من المواطنين هو الأقرب إلى الصواب أو الأجدر بالتطبيق. لكن، خلف هذه البساطة الظاهريّة، هناك نزوعٌ للاستقواء بآراء الأكثريّة، يسهل بعدها الانزلاق إلى ضفّة جديدة من الاستبداد، فتتحوّل الديمقراطيّة إلى واجهة أنيقة لبلطجة جماعيّة مزهوة الأقنعة.
منذ وُضع الناموس، واتبعت البشريّة الأخلاق الوضعيّة، لم يتوقّف الأنبياء والصالحون، والفلاسفة، ومنظّرو علم الاجتماع، عن التنبيه لخطر الاستبداد. وقد افترضوا، محقّين، أن طغيان الأكثريّة أشدّ وطأة من طغيان الحاكم الفرد، لأنه طغيان غير

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح