لغة الهيمنة

22 مشاهدة

في المشهد الافتتاحي لفيلمه المصير، حطم المخرج الراحل يوسف شاهين إحدى الصور النمطية المنغرسة عميقاً في وعينا شعوباً، كانت (ولا تزال) مستعمرة: صورة تحضر المستعمر الغربي، كما لو كان هذا حاله منذ الأزل، يقابله تخلفنا بصفتنا عرباً تارة ومسلمين تارة أخرى، كما لو كان حالنا هذا أيضاً على حاله منذ الأزل، أو بالأحرى كما لو كان صفة جينية.

في هذا المشهد الذي يصوّر إعدام مفكر فرنسي بحرقه حياً بتهمة الهرطقة، تنفيذاً لحكم الكنيسة بعد إدانة أفكاره حول لانهائية الكون، ومن ثم هروب ابن الرجل إلى قرطبة الأندلس، ليصبح هناك تلميذاً للفيلسوف والقاضي الفقيه ابن رشد، يقلب شاهين هاتين الصورتين النمطيتين إلى ضدهما، فيصبح الشاب الفرنسي لاجئاً سياسياً في منارة الفكر التي كانتها الأندلس العربية المسلمة أواخر القرن الثاني عشر، قبل سقوطها.

وبغض النظر عن الدقة التاريخية للحادثة، إلا أن المهم في المشهد هو الفكرة، ومفادها أن العرب، وعبر شخصية الفيلسوف والقاضي ابن رشد الأندلسي (1126-1198)، كانوا في فترة استعمارهم الأندلس قوة حضارية مهيمنة، جعلت من لغتهم ضرورة لطلاب المعرفة في غرب القرون الوسطى، كونها لغة العصر والعلم والفكر. كما نشطت الترجمة عنها، خصوصاً في الفكر والفلسفة واللاهوت والفلك والرياضيات، لتصبح تلك المعارف مساهماً أساسياً في نهضة أوروبا فيما بعد.

هكذا نتذكر، ولغتنا العربية الأم تعاني من هجر أولادها، أنها كانت يوماً لغة الحضارة المهيمنة والأكثر ازدهاراً. لغة كان ضرورياً لطلاب العلم إجادتها، كما الإنكليزية اليوم، ويترجمون عنها إلى اللاتينية والعبرية.

مرّ كل ذلك في بالي وأنا أتابع ساخرةً محاولات الولايات المتحدة الأميركية وبعض بلدان أوروبا محاصرة وإقفال معاهد تعليم اللغة الصينية المعروفة باسم كونفوشيوس، على اسم الفيلسوف الشهير الذي اعتنقت دول وممالك آسيوية فلسفته لقرون. أما العذر؟ فهو الحد من اتساع الهيمنة الصينية.

فإن كانت الحضارات تزدهر وتخبو بما يشبه دورة الدولاب، فتكون تارة في القمة (كما كنا أيام الأندلس قوة مهيمنة حضارياً)، وتارة في الحضيض (كما نحن اليوم)، فلا شك أن الصين تبدو اليوم في الدرب المتجه إلى القمة،

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح