كي لا تنتصر الحرب تماما
كلّما جلستُ لأكتب، يمرّ بي سؤالٌ ثقيل: ما جدوى ما أفعله؟ في بلدي تُهدم البيوت، ويُغلق الأطفال كتبهم المدرسية قبل أن يُكملوها، يلهث الناس بعد لقمة ليل نهار، وأنا أبحث عن كلمةٍ أدقّ من كلمة، وعن جملةٍ تستقيم في آخر الفقرة. أشعر أحياناً أنّ الكتابة في زمنٍ كهذا ترفٌ، وأنّ الأجدر بي أن أصمت احتراماً لمن يموتون.
وقد صمتُّ فعلاً. توقفتُ عن الكتابة مدةً، وظننت أنّ الصمت أصدق من الكلام، وأنّ الحرب أكبر من أيّ نص. لكنّني اكتشفت أنّ الصمت لا يحمي أحداً، وأنّ الحرب لا تنتظر أن نتوقّف عن الكلام لتتوقّف هي عن القتل. كلّ ما يفعله الصمت أنّه يترك الساحة لرواية واحدة: رواية البيانات العسكرية، والأرقام التي تتحدّث عن القتلى كأنّهم أعداد في جدول.
هنا فهمتُ شيئاً بسيطاً: الحرب تمحو الأسماء. تحوّل الإنسان إلى رقم، والمدينة إلى خريطة، والبيت إلى هدف. أمّا الأدب فيفعل العكس تماماً. يُعيد للرقم اسمه، وللاسم وجهه، وللوجه حكايته. حين يُقال إنّ مئة شخص قُتلوا، لا يبكي أحد. وحين نعرف أنّ واحداً منهم كان يخبّئ في جيبه رسالة لأمّه لم يُرسلها، نبكي جميعاً. هذه هي المسافة بين الخبر والأدب، وهي المسافة التي نكتب من أجلها.
لا تريد الحرب أجسادنا فقط، بل تريد ذاكرتنا أيضاً
نحن لا نكتب لنوقف الحرب. لم توقف روايةٌ حرباً قط، ولم تُعِد قصيدةٌ ميتاً إلى الحياة. لكنّنا نكتب لكي لا تنتصر الحرب انتصاراً كاملاً. فالحرب لا تريد أجسادنا فقط، بل تريد ذاكرتنا أيضاً. تريد أن ننسى كيف كانت أعيادنا، وكيف كانت رائحة الخبز في القرى، وكيف كان الجيران يتقاسمون القليل. تريد أن نصدّق أنّ هذا الخراب هو الأصل، وأنّ ما كان قبله حلمٌ لم يحدث، ولن يعود. والكتابة هي الطريقة الوحيدة التي أعرفها لأقول: لا، لقد كنا هنا، وكنّا أحياء، وكانت لنا حياة تستحق أن تُروى.
ونكتب لأنّ اليأس هو الهزيمة الأخيرة التي تنتظرها الحرب منا. حين يفقد الناس بيوتهم وأعمالهم وأحبّاءهم، يبقى لهم شيء واحد لا تستطيع القذائف أن
ارسال الخبر الى: