كوليت خوري من ريادة التمرد الفردي إلى فخاخ السلطة

74 مشاهدة
لم تكن تجربة الكاتبة والروائية السورية كوليت خوري التي رحلت الجمعة بعيدة عن سياقها السوري رغم طليعية ما كتبته في محيطها الثقافي وغرابته عند المجتمع الشرقي إذ يمكن اعتبارها جزءا من حمولة حراك النخب وهي تحاول هضم تأثير الانتداب الفرنسي 1920 1946 ومقاومته وكذلك صناعة الدولة بعد الاستقلال ففي فضاء كهذا تظهر الأصوات المختلفة وهي تحاكي الآداب الغربية ولا سيما الفرنسي منها وتستفيد من اتساع مساحة التعبير الفردي داخله لا يمكن فهم تجربة صاحبة رواية ومر صيف 1975 المختلفة بمعزل عن هذا السياق لكن في الوقت نفسه لا تختزل كتاباتها في كونها مجرد نتاج مرحلة لأنها تقدم مشروعا أدبيا حمل ملامح واضحة تكررت عبر الروايات والنصوص المختلفة ولدت الأديبة الراحلة عام 1935 لعائلة دمشقية معروفة بمساهماتها في الحياة السياسية السورية فجدها هو فارس الخوري أحد الأسماء البارزة في تاريخ سورية ووالدها سهيل الخوري حقوقي ووزير أما خالها حبيب كحالة فهو كاتب صحافي وفي هذا الفضاء ولدت تجربتها في مسار يبنى على التعلم عبر اللغات الأخرى كالفرنسية والإنكليزية إذ كتبت في البداية بالفرنسية وأصدرت ديوانها الأول عشرون عاما بهذه اللغة في العام 1957 لكن حضورها الأدبي الواسع بدأ مع رواية أيام معه التي صدرت في نهاية الخمسينيات وأثارت اهتماما نقديا وإعلاميا لافتا تبعا لحكايتها التي تتحدث عن علاقة عاطفية بين امرأة وشاعر تتجاوز قصة الحب التقليدية لتصبح تجربة وعي داخلي تخوضه الشخصية النسائية في الرواية حين تحاول فهم موقعها داخلها في إطار تشكيل مفهوم الحرية الفردية لديها تلاشت طليعيتها مع التزامها بالخطاب الرسمي لنظام الأسد هذه الفكرة العميقة ستعاد لاحقا في أعمالها ولا سيما في جانب التوتر بين الحاجة العاطفية والرغبة في الاستقلال حين تبتعد الشخصية عن موقع الضحية أو المنتصر ما دامت تعيش حالة بحث غير محسومة هذه المعالجة جعلت الرواية تقرأ بوصفها خروجا عن النمط السائد آنذاك في تقديم المرأة داخل السرد العربي بعد أن كانت تقدم غالبا محصورة في أدوار اجتماعية ثابتة ترسخت هذه الرواية في المدونة الثقافية السورية لأجيال خاصة حين ارتبطت الرواية في القراءة الثقافية اللاحقة بالحديث عن علاقة عاطفية جرت بين الكاتبة والشاعر نزار قباني الأمر الذي منحها بعدا يجعلها ضمن السيرة الذاتية في بعض التأويلات nbsp النص في الرواية لا يبنى على الإحالة المباشرة على الواقع بل على تحويل التجربة الشخصية إلى مادة سردية قابلة للتعميم وهو ما يجعل العلاقة بين الواقع والنص علاقة محتملة لا حاسمة غير أن خوري وفي مرحلة زمنية متقدمة لم تنف علاقتها بقباني فقالت كنت أعيش مع نزار قصة حب ومشروع زواج خططنا له قبل أن أكتب هذه الرواية بعامين وقد انتهت هذه القصة أما عن كون الرجل في الرواية هو قباني فقد قالت إن الشخصية خليط من عديدين زياد في أيام معه هو تشكيلة رجال من نزار وزوجي وآخرين حوالي أربعة رجال هذا الاقتران بين الحياة الشخصية والرواية الأولى رسخ حضور أدب كوليت خوري ضمن صيغة الكشف عما يجري ليس فقط وراء جدران البيوت وإنما خلف السواتر التي تبنيها المرأة حول نفسها في المجتمع الشرقي وذلك في لحظات غاية في الفرادة ففي رواية ليلة واحدة 1961 يتم اختزال الزمن الروائي في ليلة واحدة تعيشها امرأة متزوجة في علاقة عاطفية خارج إطار زواجها التركيز على الحدث يتراجع هنا أثره النفسي والزواج يقدم فضاء باردا غير متوازن عاطفيا مقابل لحظة قصيرة من الانفتاح العاطفي تحدث صدمة داخلية لدى الشخصية أما رواية كيان 1968 فتطرح سؤالا عن هوية المرأة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والعاطفية الهدف يتجاوز سرد التجارب بحد ذاتها إلى استخدام العلاقة العاطفية وسيطا لاختبار فكرة الكيان أو الوجود الفردي وفي رواية أيام مع الأيام 1978 تصبح بنية السرد أقرب إلى التتابع الزمني من خلال مرور الشخصية النسائية بمراحل مختلفة من حياتها فلا يوجد خط درامي واحد صارم بل أقرب إلى فسيفساء زمنية تتابع تغير الموقف الداخلي للشخصية عبر الزمن قدمت أعمالها تصورات عديدة لاستقلالية المرأة وحريتها وإلى جانب الرواية التي رسختها في المشهدين السوري والعربي كتبت كوليت خوري نصوصا قصصية وجرت محاولات لم تنجح لتقديم أعمالها سينمائيا إلا أن إلحاح المرحلة التي كانت تعيشها سورية مع حكم البعثيين والتي كانت تحوم حول الأيديولوجيا القومية والاشتراكية المفصلة على مقاس الحزب فرض عليها وعلى غيرها من أصحاب التوجهات الليبرالية التعامل مع الواقع كما هو والتعايش معه وفي تصريح لها عام 1972 في مجلة المعرفة التي تصدرها وزارة الثقافة عبرت عن رؤيتها للواقع وجودي في هذا الوطن قتال أنا مؤمنة بآرائي ومبادئي حاولت شرحها في كتاباتي وتحملت من أجلها ما تحملت فمنذ كتابي الأول طالبت بتحرر المرأة الاقتصادي الذي يؤدي إلى التحرر المعنوي أنا أريد أن تعمل المرأة وأن تكسب عيشها ثم يصبح من السهل أن تتحرر معنويا كان هذا في كتاباتي الأولى حيث لم أعالج إلا موضوع المرأة أما الآن فأنا أريد أن يتحرر الإنسان في وطني لم تعد المشكلة مشكلة المرأة وحدها المشكلة أكبر إنها مشكلة كيان الإنسان العربي في داخل الوطن وخارجه اقتراب الكاتبة الراحلة من الخطاب الرسمي السائد في عهد حافظ الأسد لم ينعكس إيجابيا على أدبها بل يمكن ملاحظة تلاشي طليعيته مع وجود أسماء نسائية أخرى لم تقترب كثيرا من السلطة وحافظت على النفور منها غير أن المشكلة الأكبر لم تأت من خلال النص بل من خلال العلاقة مع رموز الحكم الذي خلق بين السوريين أنفسهم فجوات كبرى وهكذا عرفت خوري من خلال علاقاتها مع أسماء بارزة في بنية السلطة فهي واحدة من أهم الكتاب الذين دأبوا على المشاركة في الصحافة الرسمية كما عملت مستشارة لوزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس الذي عرف عنه الاهتمام بالأدب والثقافة والمساهمة بالكتابة والتأليف وانتخبت لمجلس الشعب لدورتين متتاليتين وفي العام 2006 عينها بشار الأسد مستشارة أدبية ولم يصدر عنها أي موقف يفصلها عن النظام خلال الثورة السورية كما جرى منحها جائزة الدولة التقديرية من قبل وزارة الثقافة في العام 2024 قبيل سقوط النظام محصلة قراءة المحطات الكبرى في حياة كوليت خوري تأخذ القارئ نحو الإشكالية التي يعيشها المبدع في علاقته مع موضوعاته وانعكاس حياته الشخصية في أدبه وصولا إلى علاقته مع السلطة مرورا بقضايا الجمهور الماسة فإذا ما نجح في بناء التوازن بين كل هذه المواقف لربما ينجو ويبقى في مرتبة سامية لكن الواقع الذي عاشته سورية وكانت كوليت شاهدة عليه ظهر شائكا إلى درجة تجعل النفاذ منه دون أثر أمرا مستحيلا وكانت كوليت مثالا عما جرى إنها نموذج للمثقف الذي افتتح عصر التمرد الفردي لكنه ارتهن في ختامه لثبات السلطة تاركا خلفه إرثا يمزج بين ريادة النص وإشكاليات الموقف

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح