كورنيش المزرعة في بيروت شهادات ومشاهد بعد المجزرة الإسرائيلية
في وقت كان فيه لبنان وأبناؤه، وآلاف النازحين، يترقبون وقفاً وشيكاً لإطلاق النار، دوّت أصوات ناجمة عن أربع غارات إسرائيلية متتالية بصواريخ ثقيلة في قلب بيروت الإدارية، عند كورنيش المزرعة. وقد استهدفت الضربات مبنى مكتظاً بالسكان، ومستودعاً تجارياً مجاوراً، وطاولت مبنىً يضمّ عيادات طبية ومكاتب ومحال تجارية، إضافة إلى موقف سيارات.
فجأة، انقلب المشهد في كورنيش المزرعة انقلاباً كاملاً، ولم يعد يشبه يوميات المنطقة ولا إيقاعها المعتاد. فالشارع الذي اعتاد زحمة السيارات وضجيج المحال، وأصوات الباعة، وازدحام المارة، تحوّل في غضون دقائق إلى مساحة مفتوحة على الركام والغبار والصراخ. ولم يعد ممكناً التمييز بين واجهة محلّ وغرفة سكنية، بين زجاج نافذة وأشلاء تناثرت على مسافات بعيدة.
كورنيش المزرعة.. مساحة مفتوحة على الخراب
المكان نفسه بدا كأنه فقد تعريفه، فلم يعد حيّاً مأهولاً، بل تحول إلى مساحة مفتوحة على الخراب. وامتد أثر الغارات الإسرائيلية سريعاً إلى الشوارع المحيطة، التي بدت كأنها خرجت من سياق المدينة ودخلت في زمن آخر، زمن تُقاس فيه المسافة، لا بعدد الأبنية، بل بعدد الناجين، ولا يُسمع فيه ضجيج السير، بل أصوات سيارات الإسعاف ونداءات البحث تحت الأنقاض.
في اللحظات الأولى بعد الضربات، لم يكن أحد يعرف على وجه الدقة ما الذي جرى. اندفع الناس إلى الشارع، ركض بعضهم نحو الأبنية المستهدفة بحثاً عن أقارب أو جيران، فيما ابتعد آخرون من دون أن يعرفوا إلى أين الوجهة. توالت أصوات سيارات الإسعاف تباعاً، وارتفع الصراخ من جهات عدة، قبل أن يسود ذلك الارتباك الثقيل الذي يسبق إدراك حجم الكارثة. غبار كثيف ملأ الهواء، ورائحة البارود والإسمنت المحترق خيمت على المكان، فيما كانت نداءات المسعفين تتعالى مطالبةً بفسح الطريق لحمل جريح آخر.
في هذه البقعة وحدها، سقط عشرات الضحايا، فيما استمرت عمليات البحث والإنقاذ لساعات طويلة للعثور على مفقودين تحت الأنقاض. وكان رجال الإنقاذ يحفرون أحياناً بأيديهم، حين تأخرت الآليات أو عجزت عن بلوغ الجيوب الضيقة بين الركام، بينما شاركهم شبان الحيّ في العمل نفسه، يرفعون الحجارة ويزيحون
ارسال الخبر الى: