كنيسة هالغريمسكركيا امتداد حجري لطبيعة أيسلندا وتاريخها
72 مشاهدة
تمثل كنيسة هالغريمسكركيا Hallgrímskirkja واحدة من أبرز معالم العاصمة الأيسلندية ريكيافيك وأكثرها حضورا أيقونيا في أفق المدينة ترتفع الكنيسة على إحدى أعلى التلال لتشرف على العاصمة من موقع مهيب يمنح الزائر إطلالة بانورامية واسعة على ريكيافيك والمحيط الأطلسي سيتمعن الزائر لهذا الصرح المعماري في أبعاد تاريخية وثقافية ورمزية عميقة عن هذا البلد سميت الكنيسة على اسم هالغريمور بيتورسون الذي كان قسا لوثريا وشاعرا عاش في القرن السابع عشر 1614 1674 اشتهر بكتابة ترانيم الآلام Passion Hymns وهي مجموعة من الترانيم الدينية المهمة ضمن الأعمال الأدبية والروحية في التراث الأيسلندي ينتمي تصميم الكنيسة إلى الطراز اللوثري الحديث وقد استلهمت خطوطها العمودية الحادة من التكوينات البركانية الطبيعية في أيسلندا ولا سيما أعمدة البازلت التي تتشكل نتيجة تبريد الحمم البركانية يمنح هذا التصميم الكنيسة طابعا فريدا يجعلها أشبه بامتداد للطبيعة نفسها يبلغ ارتفاع الكنيسة نحو 74 5 مترا ما يجعلها من أعلى المباني في البلاد وقد استغرق بناؤها عدة عقود منذ عام 1945 وحتى عام 1986 لا يمكن فهم رمزية هالغريمسكركيا وما يحيط بها من دون التوقف عند العلاقة العميقة بين أيسلندا والفايكنغ فقد كان الفايكنغ الاسكندنافيون القادمون أساسا من النرويج هم الذين أسسوا أول مجتمع دائم على الجزيرة في القرن التاسع الميلادي جالبين معهم لغتهم النوردية القديمة وتقاليدهم البحرية وقوانينهم العرفية وكانت أيسلندا نقطة انطلاق استراتيجية لرحلات الفايكنغ عبر شمال الأطلسي ومنها انطلقت الرحلات التي قادت إلى سواحل أميركا الشمالية اللغة الأيسلندية الحديثة امتداد مباشر للغة النوردية القديمة ما يجعل أيسلندا حالة نادرة من الاستمرارية الثقافية واللغوية عبر أكثر من ألف عام هذا يفسر لماذا لا تزال رموز الفايكنغ حاضرة بقوة في الوعي الوطني الأيسلندي وفي فضاء العاصمة من تمثال ليف إريكسون Leif Erikson إلى الاحتفاء بالماضي عبر الثقافة العامة أمام كنيسة هالغريمسكركيا يقف تمثال لايف إريكسون ابن إريك الأحمر وهو مستكشف فايكنغي نرويجي الأصل يعرف بأنه مؤسس أول مستوطنة نرويجية دائمة في غرينلاند في أواخر القرن التاسع الميلادي اشتهر بلقب الأحمر نسبة إلى شعره ولون بشرته لعب إريك الأحمر دورا محوريا في توسيع نفوذ الفايكنغ في شمال الأطلسي وفتح الطريق أمام رحلات الاستكشاف اللاحقة موجها نظره نحو الأفق وكأنه لا يزال يستعد لرحلة جديدة عبر المجهول يجسد هذا التمثال أحد أعظم مستكشفي عصر الفايكنغ ويخلد ذكرى الرجل الذي أبحر نحو الغرب من غرينلاند في عام 1000 ميلادي ووصل إلى شواطئ أميركا الشمالية قبل نحو خمسة قرون من كريستوفر كولومبوس ما يجعله أشهر من ينسب إليه الوصول الأوروبي المبكر إلى القارة رغم أن السكان الأصليين كانوا يعيشون فيها منذ آلاف السنين تشير السجلات الاسكندنافية القديمة إلى أن إريكسون أبحر من غرينلاند نحو الغرب ووصل إلى أرض أطلق عليها اسم فينلاند التي يرجح أنها تقع في جزء من كندا الحالية وربما في نيوفاوندلاند وقد أكد اكتشاف مستوطنة فايكنغ في لآنز أو مييدو nbsp L Anse aux Meadows وجود حضور أوروبي في أميركا الشمالية قبل كولومبوس ويعتقد أن هذا الموقع مرتبط برحلات الفايكنغ الأولى إلى القارة وقد قدم التمثال هدية من الولايات المتحدة إلى أيسلندا عام 1930 احتفالا بالذكرى الألفية لتأسيس البرلمان الأيسلندي في اعتراف رمزي بالدور التاريخي للفايكنغ في اكتشاف العالم الجديد ترتبط أيسلندا تاريخيا ارتباطا وثيقا بكل من النرويج والدنمارك فقد استوطنها في القرن التاسع الميلادي مهاجرون اسكندنافيون معظمهم من النرويج وظلت دولة حرة حتى القرن الثالث عشر حيث خضعت للتاج النرويجي عام 1262 وبعد اتحاد النرويج والدنمارك انتقلت تبعيتها تلقائيا إلى الدنمارك منذ عام 1814 وبقيت كذلك إلى أن نالت استقلالها الكامل وأعلنت جمهورية عام 1944 يبلغ عدد سكان أيسلندا اليوم نحو 370 ألف نسمة فقط ويتكون المجتمع الأيسلندي أساسا من أحفاد المستوطنين الأوائل القادمين من النرويج والجزر البريطانية ولا سيما أيرلندا واسكتلندا الأيسلنديون اليوم من أقرب الشعوب الأوروبية وراثيا ولغويا إلى الفايكنغ القدماء إذ حافظوا على لغتهم النوردية القديمة شبه سليمة وعلى سجلات أنساب دقيقة تمتد إلى أكثر من ألف عام اللغة الأيسلندية واحدة من أكثر لغات أوروبا تفردا إذ حافظت على بنية قريبة جدا من اللغة النوردية القديمة التي كان يتحدث بها الفايكنغ يعود ذلك إلى العزلة الجغرافية لأيسلندا وقلة عدد سكانها وغياب موجات الهجرة الواسعة التي غيرت لغات الدول الاسكندنافية الأخرى ومع ذلك تظهر بعض الكلمات المشتركة في الحياة اليومية مثل كلمة شكرا التي تقال Takk وهي تطابق نظيرتها في النرويجية والسويدية والدنماركية ما يعكس الأصل اللغوي المشترك بفضل طبيعتها القاسية والمفتوحة تحولت أيسلندا إلى موقع تصوير مفضل لمسلسلات عالمية خصوصا تلك التي تستحضر عوالم أسطورية أو تاريخية أو مستقبلية من أبرز هذه الأعمال صراع العروش الذي صورت أجزاء مهمة منه في مواقع أيسلندية مختلفة لتمثيل الأراضي الواقعة خلف الجدار حيث الجليد والعزلة والخطر واستخدمت أيسلندا في تصوير ذا ويتشر وبلاك ميرور حلقة Crocodile فضلا عن مسلسلات محلية مثل Trapped وKatla التي جعلت الطبيعة عنصرا سرديا أساسيا وهنا تكمن القفزة الجميلة بين الماضي والحاضر إذ كما كانت أيسلندا في زمن الفايكنغ نقطة انطلاق للمستكشفين نحو المجهول فإنها اليوم تستخدم منصة بصرية تنقل المشاهد إلى عالم الفانتازيا أو التاريخ أو الكوارث فتظل الجزيرة نفسها تحافظ على روح الرحلة والمغامرة من هذا المنطلق تبدو كنيسة هالغريمسكركيا رمزا معاصرا لهذا التاريخ فهي تقف أيقونة حضارية تطل على العاصمة تماما كما يقف تمثال إريكسون خارجها شاهدا على زمن الاكتشافات الأولى حين أبحر الفايكنغ نحو المجهول وفي الوقت نفسه فإن هذه المعالم تذكرنا بأن أيسلندا ليست فقط أرضا للفايكنغ بل أيضا مسرحا بصريا حيا يستمر في إلهام السينما والتلفزيون الحديثين