كناش الحشمة الزعيم المخلص أم الفرد الواعي

118 مشاهدة
في كل قبيلة ظل صدى يتردد رجال يكتبون القوانين ونساء يولدن ليحاكمن ويحكمن بالصمت حتى ظهر قادم من أرض قاحلة باحثا عن ماء لبلدته واحة جافتها الطبيعة ليكتشف أن العطش الأكبر ليس عطش الأرض وإنما عطش الإنسان إلى الكرامة توصيف يوجز مسرحية كناش الحشمة التي بدأت فرقة محترف الفن الأصيل للسينما والمسرح عرضها على خشبة مسرح ابن امسيك بالدار البيضاء في منتصف الشهر الماضي ويتواصل عرضها حتى نهاية العام في فضاءات عدة المسرحية المقتبسة عن نص عبد المجيد سعد الله ورؤية إخراجية لسامي سعد الله تروي حكاية بشار الخير حين يترك بلدة أهله التي أنهكها القحط وأباه الذي يراه رمزا للخلاص وأمه الحامل بجنين الراگد ليصل إلى بلدة يحكمها العرعار في المخيال الشعبي المغربي الراگد جنين نائم وحياة مؤجلة زمن معلق بين الموت والولادة وفي المسرحية يتحول إلى رمز مكثف للطاقة المكبوتة داخل المجتمع حياة بأكملها معلقة في رحم الأسطورة تنتظر لحظة التحرر كي تولد الممثل الشاب حسين أغبالو جسد بشار الخير الذي يخوض رحلة داخلية بقدر ما هي خارجية رحلة بحث عن معنى الحرية والكرامة حيث تتحول التضحية إلى قيمة مركزية وشرط للنضج والقيادة لا بوصفها خسارة الزعامة لا تأتي هبة من الخارج وإنما من الوعي بالمسؤولية أما شخصية الأب التي أداها بوشعيب العمراني فعبرت عن الحكمة المتوارثة فالأب لا يمنح الحلول الجاهزة بل يغرس في ابنه فكرة أنه حامل اللغز ومفتاح الخير وأن الزعامة الحقيقية لا تأتي هبة من الخارج وإنما من الوعي بالمسؤولية واتخاذ القرار الحر هذه العلاقة تحيل على سؤال راهن هل ما زالت مجتمعاتنا تبحث عن الزعيم المخلص أم أن الخلاص يمر عبر وعي الفرد بقدرته على الفعل الحاكم العرعار الذي جسده مصطفى أهنيني يمثل السلطة فهو يمتلك القرار ظاهريا لكنه عاجز عن إنزال المطر أو تحقيق الخلاص سلطته تذكر بالقوة الفارغة تلك التي لا تستمد شرعيتها من العدل والحرية وإنما من الخوف والهيمنة في المقابل أدت الممثلة رجاء بوحامي دورين متوازيين وهما الأم الحامل بـالراگد والابنة المحتجزة في قبة العار هذه الازدواجية جعلت حضورها مكثفا إذ جسدت الأمومة والحماية من جهة والصراع الداخلي بين الطاعة والرغبة في التحرر من جهة أخرى جسدها على الركح صار تجسيدا لصوتين متناحرين في الذاكرة الجمعية صوت الماضي الذي يطالب بالامتثال وصوت الحاضر الذي يصرخ طلبا للحرية النص الذي صاغه عبد المجيد سعد الله لا يكتفي باستدعاء الأسطورة بل يقدمها أداة للتحليل النفسي قبة العار تتعدى كونها فضاء مغلقا لنراها رمزا للسجن الاجتماعي والراگد ليس مجرد كائن أسطوري وإنما استعارة عن عقدة فقدان الشرف واغتصاب الحرية بين هذه الرموز تتجلى صراعات النفس البشرية الرغبة في الحياة في مواجهة نزعة الموت والسلوك السادي وعقدة الرجولة والخوف من الفقدان كما يوضح مؤلف المسرحية لـالعربي الجديد المخرج اختار أن يحول الركح إلى مختبر نفسي مفتوح حيث تتقاطع إيروس غريزة الحياة وتاناتوس غريزة الموت الإضاءة التي أبدعها أيوب بنهباش لم تكن مجرد أداة تقنية وإنما لغة سردية ثانية وظفت الظل والفراغ لإبراز الصراع الداخلي للشخصيات فيما صاغ ياسين الزاوي فضاء بصريا يستعيد عناصر الرحل الخيمة القبة الرمل ليحولها إلى علامات رمزية تتنفس بين الماضي والحاضر الموسيقى التي صاغها توفيق بلخضر ورشيد بيضار تنهل من الثقافة الحسانية وتلوينات عالمية لم تكن خلفية صوتية بل جزء من البناء الدرامي الإيقاعات الرحلية تماهت مع النص والرموز لتصبح الأصوات جزءا من المطر نفسه فحين يشتد الإيقاع كأن الغيث يقترب وحين يسود الصمت كأن الانتظار يطول في اللحظة الأخيرة من العرض تتحرك أجساد الممثلين وكأنها تستدعي المطر من الداخل لا من السماء ويعود بشار الخير إلى قبيلته برفقة الشابة التي تمردت على كناش الحكمة لتدون أن المصير يعاد رسمه بقرار الحرية الفردية ولا يكتب بيد شيخ ولا تمليه وصايا جامدة وينزل المطر تعبيرا عن طاقة داخلية تنبع من كسر القيود واستعادة الإرادة الفردية والجماعية

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح