كعادتها انطلقت المخرجة الفرنسية كلير بورجي من عائلتها ومحيطها القريب المتاخم للحدود الألمانية لتروي قصة روائيها الثالث لغة أجنبية 2024 فاني ليليث غراسمغ طالبة فرنسية خجولة ومنطوية تصل إلى ألمانيا في إطار تبادل لغوي تستضيفها عائلة لنا جوزفا هانسيوس فتاة واثقة من نفسها وناشطة سياسيا ومقيمة مع والدتها مدمنة الكحول يشوب البرود علاقة الفتاتين في البداية ثم تنشأ الثقة تدريجيا بينهما بفعل اعترافات فاني عن معاناتها مع التنمر المدرسي وتأثر لنا خصوصا بقصة جوستين الأخت غير الشقيقة والمزعومة لفاني التي يفترض بها أنها تنتمي إلى جماعة يسارية متطرفة عبر العلاقة الحميمة بين الفتاتين تستكشف بورجي نشوء الهويتين الثقافية والجنسية في إطار غيرية قصوى يعكسها تعقيد العلاقة بين ألمانيا وفرنسا والاختلافات العميقة بين البلدين كما تتشكل بموشور اللغة والعلاقات الأسرية تتعدد وجهات النظر بغية التقاط نظرة الوالدتين على طرفي الحدود إلى ابنتيهما في فترة عمرية حساسة من دون أن يسقط الفيلم المعروض للمرة الاولى دوليا في مسابقة الدورة 74 15 ـ 25 فبراير شباط 2024 لـمهرجان برلين السينمائي برليناله في نمط أفلام التعلم والأحكام الجيلية بفضل الخط الثانوي للسيناريو بورجي وليا ميسيوس المتمثل بجنوح لنا إلى الكذب المرضي يذكر هذا برائعة البلغاري كوستانتين بوجانوف Avé إنتاج 2011 ينجح الفيلم في سبر تعقيد مشاعر الشابتين ومفهوم النضال في عالم تهيمن عليه سياسات ما بعد الحقيقة واضمحلال الأيديولوجيات الجامعة بسبب تداعيات كورونا والتقوقع اليميني حول الهويات الضيقة هل كان هدفك الأساسي تحقيق فيلم سياسي لأننا نعيش في عالم معقد ولا سيما سياسيا مع صعود أيديولوجيات اليمين في العالم أم أنه استكشاف صورة الشباب اليوم إنهما معا عندما بدأت الكتابة كانت كورونا ابنة أخي 13 عاما تعاني فقدان شهية حادا بحثت في هذه المشكلة فاكتشفت أن الشباب الفرنسيين يعانون ضائقة نفسية حقيقية جزئيا بسبب الجائحة والعزلة لكن ليس هذا فقط هناك أيضا كارثة المناخ التي خلقت ما نسميه القلق البيئي أعلم أن المراهقة فترة صعبة في شبابي كان هناك الإيدز والبطالة وبداية صعود اليمين المتطرف كنا على يقين تقريبا بأنه بمجرد وصول جيلنا إلى السلطة سنتخلص من كل ذلك لأننا نحن الشباب لسنا عنصريين عكس بعض المنتمين إلى الجيل الأكبر سنا فجأة أدركنا أن المعارك التي كنا نخوضها ليست غير فعالة فقط بل النشأة في عالمنا اليوم مثيرة للقلق لدى الشباب أردت تناول هذه القضايا السياسية والشباب المحاصرين بها لكني لم أرغب في صنع فيلم سياسي ملتزم يقول عليكم أن تعتقدوا في هذا أو ذاك حاولت صنع فيلم يتحدث عن الرغبة في النضال والإيمان بإمكانية تغيير الأمور أردت أيضا جعل السياسة أقل نظرية وإظهار ما هو حسي بل إيروتيكي فيها وماذا يعني أن ننطلق مع الآخرين في حلم طموح لتحسين العالم أشعر أن الحشود والمظاهرات تنطوي على شيء له تأثير إيروتيكي تقريبا جوستين الأخت الكبرى التي اختلقتها فاني ونسجت حولها فانتازيا شخصية قائدة ومغامرة تجسد نوعا ما معنى الالتزام كلما اقتربت منها الشخصيتان انفلتت منهما أهي وسيلة لجعلهما تكتشفان دافع النضال فيهما كنت أرغب في أن تبدو الشخصيتان في بداية الفيلم ضائعتين بعض الشيء في مواجهة ضخامة الأسئلة وتعقيد العالم لكن هذه الأمور تتجسد سياسيا بعض الشيء في النهاية أردت أن تجدا طريقا على أي حال أن تتجها نحو أناس يبدو أنهم يسعون إلى شيء ما وأن تجدا معا إمكانية لمستقبل ناشط لا يوجد أسوأ من الشعور بالعجز عن مواجهة الظلم في العالم والكوارث المرتقبة أتفهم أن هذا الشعور محبط لهؤلاء الشباب لدي انطباع بأنهم يتحلون بما يمكن تسميته سذاجة أي رغبة في الاعتقاد بأنه يمكن تحقيق الأفضل معا ربما بدا هذا سخيفا بعض الشيء أو مثيرا ابتسامة ساخرة لدينا نحن الأكبر سنا لكن في الوقت نفسه يجب الاستفادة من هذه الطاقة القوة ومن هذا الإيمان الذي يعتنقه الشباب والذي يمكن أن يغير الأمور قليلا لأنه بمجرد أن نستقر في راحتنا وأماننا لن نجرؤ حقا على تغيير الأمور الجانب الآخر المهم جدا في الفيلم التركيز على الأسرة وفهم صعوبات التواصل والدة لنا التي تتخيل أشياء عن فاني لا وجود لها في الواقع والد فاني وتداعيات علاقته خارج الزواج إلخ ألم تكن مخاطرة قليلا من الناحية السيناريستية إبراز هذه القصص على حساب التركيز على الفتاتين أعتقد أني أفقد بسبب ذلك مشاهدين يفضلون متابعة قصة الفتاتين في الواقع أردت منذ فترة طويلة العمل على مسألة وجهة النظر وتقريبا على نظام التعددية Polyphonie في عائلتي كما في مجتمعي الفرنسي اليوم هناك صعوبة كبيرة في فهم بعضنا البعض بينما واضح أن كل شخص يشعر أنه يعيش في موضع من الحقيقة لذا ما يهمني أيضا استكشاف القضايا المتعلقة بالذاتية ومعالجة مسألة وجهات النظر هذا محفوف بالمخاطر كثيرا لأنه بمجرد أن نبدأ الحديث عن الأمهات نفقد التركيز قليلا على الفتاتين وعلينا إعادة التركيز عليهما كانت هناك مواد كثيرة عن الأمهات حذفت في المونتاج لأركز أكثر على الفتاتين على أي حال أنا لا أصنع أفلاما استعراضية مفعمة بالمغامرات الكبيرة والأبطال الخارقين والتفجيرات أحاول حقا العمل على الأشياء الصغيرة الحميمة التي يمر بها معظمنا لكنها برأيي القصص الكبيرة لحياتنا عندما نقع في الحب أو عندما نهجر ليس سهلا الاشتغال على أشياء كهذه من الناحية السيناريستية أولا لاعتقادي أن الناس الآن معتادون الأشياء المثيرة والفرجوية وأيضا لأني كي أعالج مسألة الذاتية في هذا السياق أحتاج إلى جعل الشخصيات أكثر تركيبا والتفاعلات بينها معقدة للحصول على الإحساس بالتعدد أعتقد أننا نشعر بهذا كثيرا في العالم الحالي الموضع الذي يكون فيه كل شخص وحيدا بعض الشيء مع حقيقته الخاصة وفي فقاعته الخاصة هذا ما يسمح للفيلم بالابتعاد عن نمط أفلام التعلم التي نراها كثيرا هذه الأيام والتي تصبح فيها أحداث الفيلم متوقعة وحبال الحكي مفضوحة هذا يخيفني مثلا من ناحية السيناريو عند البدء بشخصية كاذبة منطقي أن أذهب إلى أقصى حد أي أن نراها تتوجس من أن تكتشف فتضطر إلى الكذب أكثر لكني لست مهتمة كثيرا بالعمل على هذه الأنماط الدرامية الأميركية التي تجعلنا اليوم عند مشاهدة أي فيلم نعرف تقريبا منذ الدقيقة الـ15 أو الفصل الأول كيف ستتطور القصة قد يؤدي عدم الانطلاق من هذه النماذج النمطية إلى خلق قصص أغرب قليلا أعتقد أن بعض المشاهدين لا يحبون ذلك لأنهم يفضلون أن يوضعوا على مسار محدد ومريح أعتقد أني سأشعر بالملل الشديد إذا لم أختبر مسارات غير متوقعة ماذا سيحدث إذا تركت شخصيتي الرئيسية فاني لأركز على لنا التي يكذب عليها هذا يغير طريقة معالجة مسألة الكذب بالكامل حتى بناء الفيلم على هذا النحو بجزأين قرار جريء لأننا نتوقع أن ذلك قد يخلق نوعا من الشرخ بيد أن الانتقال إلى القسم الثاني سلس ذاك الذي نراه في ضوء القسم الأول فتتبلور الاختلافات الثقافية من خلال المواقف التي تمر منها الشخصيتان حاولت ذلك لم يكن سهلا لأنه بمجرد التماهي مع شخصية ما يصعب التخلي عن وجهة نظرها والانتقال إلى شخصية أخرى خصوصا أننا نعيش مع هذه الأخيرة موقفا مشابها تقريبا أي شخص يصل إلى بلد أجنبي ويكتشف العائلة مع كل ما ينطوي هذا على مخاطرة إعادة طرح مسألة الاكتشاف أشعر أننا توصلنا إلى الحل لا أندم على تجربة هذه الأشياء أعتقد أنه ينبغي أن نجرب مسارات أخرى عبر السينما لا يمكننا الاكتفاء بتطبيق كل قواعد جون تروبي وروبرت ماكي حتى لا يشعر بعض المتفرجين بالملل وإلا نخاطر بمشاهدة المنتجات نفسها والقصص نفسها واستراتيجيات المونتاج نفسها إلى ما لا نهاية للمونتاج تعاملت مع فريديريك بايليش الذي رافقك في أفلامك السابقة ما القرارات المهمة التي اتخذتها في توليف لغة أجنبية درست مع فريديريك المونتاج في La Femis بدأت توليف أفلامي الخاصة بعد تخرجي لكنه كان يرافقني دائما نشتغل في غرفتين منفصلتين ونتواصل باستمرار في هذا الفيلم طورت شخصيتي الوالدتين قليلا لشعور بأنهما خاضتا تجربة تبادل لغوي أيضا عندما كانتا أصغر سنا الأهم في المونتاج عامة التخلص من الأشياء غير الأساسية الفيلم مزدحم أصلا بشخصيات ومواضيع بعد ذلك حان وقت العمل لتفادي أن تأخذ القصة شكل فيلم تحقيق عند البحث عن جوستين من ناحية أخرى كي لا أتبع مسار فيلم التعلم بالكامل بالاشتغال على الموسيقى أبرزنا المشاعر الداخلية للفتاتين وعملنا على مسألة الحوار واللغة كأنها شأن موسيقي إلى حد ما لم يكن ذلك سهلا