أربعة كتاب أسرى خارج السجن الإسرائيلي بينهم باسم خندقجي

244 مشاهدة
أفضت الأيام الفلسطينية الأخيرة إلى إطلاق سراح أربعة من أبرز الكتاب الأسرى ممن أمضوا عقودا في السجون الإسرائيلية بعد أن حكمهم الاحتلال بالمؤبدات وهم باسم خندقجي كميل أبو حنيش وناصر أبو سرور وخليل أبو عرام ينتمي الأربعة إلى جيل من المناضلين واصل المقاومة من داخل الزنازين عبر الكتابة التي صارت امتدادا للفعل السياسي والنضالي وتحولت إلى جسر بين القيد والحرية حيث كسر هؤلاء أسوار المعتقل من خلال القدرة على تحويل الأسر إلى لغة والعزلة إلى معرفة فهم يكتبون من الداخل لا عن السجن فقط بل عن الحرية باعتبارها فعلا يوميا للوعي ومقاومة ضد كل أشكال الإبادة البطيئة التي تمارسها إسرائيل على الوجود الفلسطيني الأقدم في السجون من بين الأربعة هو ناصر أبو سرور المعتقل منذ عام 1993 والمحكوم أيضا بالمؤبد ويعد أحد الأصوات الشعرية والروائية التي صاغت من السجن فضاء إنسانيا عميقا إذ أصدر ديوانا بعنوان السجن وأشياء أخرى ورواية حكاية جدار التي بلغت القائمة الطويلة في جائزة البوكر العربية لتتجلى في أعماله التجربة الأسيرة بصفائها الرمزي حين يتحول الجدار من رمز للعزلة إلى مرآة تعكس الإنسان في أكثر حالاته هشاشة وتمردا عرف أبو سرور بنشاطه الثقافي داخل السجون ومشاركته في المبادرات التي جمعت الأسرى حول مشروع الكتابة بوصفه فعل تحرر جماعي أما كميل أبو حنيش المعتقل منذ عام 2002 فجمع بين الفعل السياسي والإنتاج المعرفي وكتب خمسة عشر كتابا في الفكر والأدب من بينها روايات خبر عاجل بشائر الكبسولة الجهة السابعة وتعويذة الجليلة وله مؤلفات نقدية وفكرية منها جدلية الزمان والمكان في الشعر العربي وإسرائيل دولة بلا هوية بالاشتراك والكتابة والسجن عالم الكتابة في السجن وينظر إلى تجربته بوصفها نموذجا للمثقف المقاتل الذي يرى في الأدب وسيلة لاستمرار المقاومة داخل المكان المغلق وقد أسهم في تأسيس خطاب ثقافي أسير يربط بين الحرية والمعرفة وبين التجربة الفردية والمصير الجمعي الفلسطيني يكتبون من السجن عن الحرية باعتبارها فعلا يوميا للوعي من جهته اعتقل خليل أبو عرام عدة مرات كان آخرها خلال انتفاضة الأفصى ونال في السجن درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية وألف مجموعة من الدرسات والكتب منها القديس والخطيئةوهو دراسة بحثية حول الحركة الأسيرة من الداخل عبر نقد صريح للتجربة التنظيمية والفكرية داخل السجون وكشف تناقضات القداسة الثورية مع الممارسات اليومية داعيا إلى مراجعة الذات وتحرير الوعي الأسير يمثل العمل شهادة فكرية جريئة تسعى لإصلاح التجربة النضالية من قلب الأسر أما الثالث فهو باسم خندقجي المولود في نابلس عام 1983 والذي اعتقل سنة 2004 وهو في مقتبل العشرينات أثناء دراسته في جامعة النجاح وحكم عليه بثلاثة مؤبدات واصل تعليمه داخل السجن وكتب دواوين شعرية وروايات أصبحت علامات في الأدب الفلسطيني المعاصر مثل مسك الكفاية سيرة سيدة الظلال الحرة نرجس العزلة خسوف بدر الدين أنفاس امرأة مخذولة وقناع بلون السماء التي فازت عام 2024 بالجائزة العالمية للرواية العربية البوكر وأخيرا سادن المحرقة تتجاوز تجربة خندقجي مثل رفيقيه المفهوم الفيزيائي للسجن وتقفز أعماله فوق حيز التنميط الذي أراده الاحتلال قيدا إضافيا يغلق على المقاومين المبدعين عبر اتهامهم بالإرهاب وإغداق الأحكام بالمؤبدات فأن تكون كاتبا في المعتقل يعني أن تتحول زنزانتك إلى فضاء للتأمل وإلى مساحة لإعادة التفكير في معنى النضال في الذاكرة وفي الزمن الفلسطيني المعلق بين المجزرة والمقاومة عاش خندقجي منذ أكثر من عقدين داخل أقصى درجات العزل لكنه استطاع أن يحول التضييق إلى شكل من أشكال الممارسة الفكرية النشطة فلم يكن القيد عنده انقطاعا عن العالم بل وسيلة للنفاذ إلى جوهره في أعماله تتقاطع الذات مع التاريخ والأسطورة مع الوثيقة ويظهر لا بوصفه كاتبا فقط بل منقبا في أعماق الوعي الفلسطيني وبالتوازي مع العمل الإبداعي تقدم مجلة الدراسات الفلسطينية نتاجاته البحثية حيث يتحرى جوهر الصراع المعرفي والسياسي في فلسطين مثل دراسته عن أثر السياسات المعرفية في الخطاب البحثي الأكاديمي وبحثه في الإبادة الفردية في فلسطين المستعمرة الذي يقدم مقاربة عميقة تربط بين النزعة الاحتكارية للصهيونية والمركزية الأوروبية في تعريف العنف والمعاناة والضحية يذهب خندقجي في هذا البحث إلى أبعد من توصيف الفعل الاستعماري بوصفه احتلالا للأرض ليراه مشروعا إباديا متواصلا لا يستهدف الجسد فحسب بل الذاكرة والوعي والهوية ويستخدم مصطلح الإبادة الفردية ليصف به آلية القتل اليومي غير المعلن الذي يمارس على الفرد الفلسطيني عبر السيطرة والمراقبة والعزل في ما يشبه إبادة متقطعة لا تنتهي ويربط هذا الفهم الجديد بتقاليد الاستعمار الأوروبي الحديث الذي أنتج تصنيفات الضحية والجلاد وفق مركزية عرقية وثقافية جعلت الفلسطيني خارج حدود الإنسانية الغربية المعيارية هذا الوعي البحثي يظهر أيضا في روايته قناع بلون السماء لكن بصيغة سردية متخيلة تحكي الرواية عن نور الباحث الفلسطيني الذي ينتحل هوية باحث إسرائيلي ليتسلل إلى الحفريات الأثرية في فلسطين المحتلة بحثا عن الآثار التي تثبت الوجود الفلسطيني في الأرض غير أن المفارقة تكمن في الجزء الثاني من الرواية حيث ينقلب المنظور ويصبح الباحث الإسرائيلي هو من يتحدث ليجد نفسه في مواجهة الأسئلة ذاتها من يملك الأرض ومن يملك التاريخ بهذا التقابل بين الصوتين الفلسطيني والإسرائيلي يخلق خندقجي حوارا متخيلا يذكرنا بالمواجهة الفكرية التي أقامها سعد الله ونوس في مسرحيته الاغتصاب حين جمع الفلسطيني والإسرائيلي في فضاء واحد ليسائلا بعضهما عن مآلات الصراع وعما تصنعه العنصرية حين تتحول إلى دولة عدوانية وعن الأنظمة التي تتهافت لتقديم التنازلات لها وإسكات أصوات الضحايا نرى أثر التفكير في الإبادة الفردية حاضرا بوضوح نور يحفر في الأرض كما يحفر الباحث في المفاهيم والاحتلال لا يواجه بالسلاح فقط بل بالمعرفة بالحفر في البنية التي تصنع الحقائق الرسمية إن العلاقة بين الفلسطيني والإسرائيلي في الرواية ليست مجرد مواجهة بين ضحية وجلاد بل هي تجربة معرفية متبادلة يكشف فيها كل منهما عن هشاشته الإنسانية أمام سؤال الأصل والحق والتاريخ لقد حول خندقجي السجن إلى ورشة مصغرة تنتج الأدب والبحث في آن ولعل هذا ما يمنح كتاباته بعدا يتجاوز حدود الأدب الفلسطيني الأسير إلى مساحة التلقي الإنساني الأوسع حيث يتم البحث عن معنى الحرية في زمن المراقبة وعن معنى الإنسانية في زمن الإبادة البطيئة شاعر وناقد سوري مقيم في فرنسا

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح