سام برس كبرياء الألم بين أحمد شاملو ويانيس ريتسوس

بقلم/ إبراهيم أبو عواد
ليس الألمُ في الشعر مُجرَّد شكوى، ولا هو انكسار عابر أمام قسوة الحياة، بلْ هو قيمة إنسانية تتجاوز حدودَ الفرد لتصبح لغةً كَونية يتعرَّف فيها الإنسان إلى ذاته.
وعندما نقرأ تجربة الشاعر الإيراني أحمد شاملو ( 1925_ 2000 )، وتجربة الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس (1909_ 1990 )، نجد أنفسَنا أمام شاعرَيْن لَم يكتبا عن الألم بوصفه نهاية، وإنما بوصفه بداية جديدة للكرامة الإنسانية. لقد كان الألم عندهما طريقًا إلى الحرية، وكانت الكبرياء هي الوجه الآخَر للجِراح، حتى بدا شِعرهما أشبه بسيرة الإنسان وهو يقاوم الانكسارَ دون أن يفقد إنسانيته.
وُلد شاملو في إيران، وعاش زمنًا مضطربًا امتلأ بالاستبداد والرقابة والسجون، فكانت حياته امتدادًا لصراعه معَ السُّلطة والقمع. أمَّا ريتسوس فقد وُلد في اليونان، وعانى الفقر، وفقدَ أفرادًا من أسرته، ثم عاش سنوات طويلة من الاعتقال والنفي بسبب مواقفه السياسية.
وعلى الرغم من اختلاف الجغرافيا واللغة والثقافة، فإنَّ القَدَرَ جمع بين الشاعرَيْن في تجربة إنسانية واحدة، هي تجربة الإنسان الذي يحاول أن يحمي روحه من السقوط وسط عالم يزداد قسوة.
في شِعر شاملو لا يظهر الألم باكيًا أو متوسلًا، بل يقف شامخًا كجبل يرفض أن تهزمه العواصف. كان الشاعرُ يؤمن بأنَّ الإنسان يُولَد حُرًّا، والكلمة هي السلاح الأخير الذي لا تستطيع السجون مصادرته.لذلك جاءت قصائده مفعمة بالإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز العتمة. إنه لا يُمجِّد المعاناةَ لذاتها، بل يمنحها معنى، ويُحوِّلها إلى قوة روحية تصنع الأملَ.
حِين يكتب عن الحُب، يبدو الحُب مقاومة، وحين يكتب عن الوطن، يصبح الوطنُ حُلْمًا أخلاقيًّا لا مُجرَّد حدود جغرافية، وحين يكتب عن الموت، يتحوَّل الموت إلى امتحان لكرامة الإنسان، وليس نهاية وجوده.
أمَّا ريتسوس، فقد حمل الألمَ بطريقة مختلفة. إنه شاعر التفاصيل الصغيرة التي تتحوَّل إلى رموز كُبرى. في قصائده قد نجد نافذةً، أو حجرًا، أو شجرة زيتون، أو امرأة عجوزًا تنتظر ابنها، لكن هذه الصور البسيطة تتَّسع لتحتضن مأساة وطن بأكمله. لقد استطاع أن يجعل الأشياءَ اليومية تنطق بالحزن والكبرياء
ارسال الخبر الى: