كأس تعبي
من الصبر أخذته كاملاً، علاوة على كأسي من الوفاء وما بقي لي سوى الهدهدة، أنا الذي بعد يومين سأصير في الثامنة والستين، وأشتاق، بعدما جهّزت فلوس الزهد، أن يكون لي فاطمة وآسر والحسن، وأذبح لهم العجل إن صارت لي بقية أو عافية، وأشتري لهم البطاطين والأسرّة والعطور التي تليق بأيامهم، على الرغم من أنّني هجرت تلك العطور زمناً طويلاً، وكنت أفضّل رائحتي الخالصة، وأنفر من روائح العطور المبهرجة في الأفراح التي بالكاد أدخلها للواجب وأهرب سريعاً مثل لصّ لا يراه الآخرون.
هل سأكون مثل ذلك الكولومبي الذي ترك أولاده وعصابته في المخدرات، في آخر عمره، وصار هو وزوجته التي تصغره ب50 عاماً يعمل معها في مطعمه الصغير ويخدم الزبائن بنفسه؟ رأيت هذا الفيلم الوثائقي قبل سنوات، وكم أثّر ذلك فيّ. أنا لا أحب الأفلام الخيالية عن العواطف الجيّاشة التي تتغلّب على عثرات الكون ونكد الأيام، ولكنّني أحبُّ الأشياء الطبيعية التي تتكلّم عما تمتلكه اليد وينطق به اللسان والنيّة، وتصير الحياة نفسها قطعةً من العمل تحت خيمة أو داخل مطعم كولومبي صغير به شابّة تصغر زوجها بخمسين عاماً وسعيدة بالعمل من دون لافتة عاطفية عن الإخلاص.
أعمل حمّالاً في حقلي الوعر، وأحياناً أحمل عن الجَمل قصبي كي يستطيع الجمل أن يرى ليلة المولد وهي فوق القنطرة، وأنا أرصّ القصب على الوحسة، كما كانت أمّي وهي شبه ناعسة تكمل الفستان في ليلة العيد لتلك الطفلة الشقية التي نسيت اسمها وكانت تحبّ الزقزاق في فتحة صدر فستانها، وأمّي ناعسة مع تركيب الزقزاق، والطفلة جالسة تتأمّل ماكينة الخياطة، والخيط يجري ثاقباً خيوط الزقزاق الملون، والطفلة تبتسم للخيوط.
وأنا أحاول أن أزرع قساري الورد بالورد، وأركن القساري فوق حافة الحائط، وأسقي الطمي قبل أن يزيحها الدجاج ليلاً من فوق الحافة، فتتكسّر القساري على السلّم الحجري ويضيع أملي في زراعة الورد، وتأخذ الطفلة الفستان وتجري قبل طلوع الفجر، والكلاب تنبح خلفها، هكذا حكت أمّي عن البنت حين سألتها صباحاً عن فستان البنت الشقية.
هكذا أجري وراء
ارسال الخبر الى: