هل قلت جرحى
جرحى الحرب. هي جملة من كلمتَين، تفيد بأنّ الأشخاص الذين نجوا من الموت باشتباك أو قصف أو قنص قد... نجوا. لكن منذ قابلت عدداً من جرحى العدوان الإسرائيلي على لبنان، واستمعت إلى تفاصيل علاجهم الممتد والمكلف، أو شاهدت ما لا يمكن أن يُعالج من ندوبهم، كنت أسأل نفسي: هل فعلاً نجوا؟ وما الذي تعنيه كلمة النجاة من الموت في حال كحالهم؟ أو وضع كوضع جرحى غزة الممنوعين من الشفاء، لحؤول إسرائيل دون دخول الأدوية أو الوقود، أو لتدميرها المستشفيات وقتلها الأطباء والمسعفين؟ دون الحديث عن منعهم من الخروج لتلقي العلاج خارج القطاع، ومحاصرتهم بكل فن من فنون الإبادة، ابتدعته المخيلة الموبوءة بطاعون الكراهية، وطوّعته ليكون من آليات قتل الفلسطينيين؟
وحين أقول هذا الكلام، تكون ماثلة في ذاكرتي صور أعرفها حق المعرفة. بعضها يعود إلى الحرب الأخيرة، وأخريات تعود إلى حروب سابقة تراكمت في ذاكرتي، مثقلةً إياها عدواناً بعد عدوان. إحدى تلك الصور تعود إلى حرب نيسان عام 1996 أو ما يعرف بعدوان عناقيد الغضب: فتاة في مستهل مراهقتها، أُصيبت بانفجار صاروخ أطلقته إسرائيل على بيتها في الجنوب، فاستُشهدت العائلة، ونجت هي من الموت. لكن جسدها بقي يحترق، طبقةً بعد طبقة. ذلك أنّ الصاروخ الإسرائيلي كان مزوّداً بمواد كيميائية لا تنطفئ ما دامت تحتك بالهواء. هكذا، كان الطبيب يكشط جلدها، فتعود الطبقة الجديدة لتحترق.
عولجت الفتاة لأشهر، فخلّفت إصابتها تلك طبقةً من جلد مُرَمَّد، تبدو كغطاء سميك من حبيبات رمادية. هكذا أصبح لقبها الفتاة الرمادية. لم ينجُ من الحروق إلّا وجهها، لأنها خبّأته خلف مخدة لحظة وقوع الصاروخ. أما ما تبقّى، الذي تخبّئه اليوم تحت ملابسها الطويلة، فيبدو، لمن استطاع مثلنا أن يراه، كتمثال من رماد يمشي على الأرض، يعلوه وجه آيّة في الجمال.
فهل تشير كلمة جرحى إلى حال هذه... الجريحة؟ هل تفيها حقها؟ وهل تستوعب المفردة كل ألوان الجراح وأنواعها؟ هل تميّز بين تلك الإصابات التي من الممكن النجاة منها فعلياً، وبين تلك التي تضرب موعداً مؤجلاً مع الموت،
ارسال الخبر الى: